يا صديق…
في أي أرضٍ تكون...
كل عام وأنت بخير.. تعالَ معي - قليلًا- نحتفل باليوم العالمي للصداقة الذي يوافق الغد، الثلاثين من يوليو. تعالَ نحتفل بطريقة مختلفة، بجمالٍ ورقي ورقة، حتى وإن كنا قد افترقنا، كما افترق عبر التاريخ أصدقاء وأحباب كُثُر. لا بأس. فلنجعله احتفالًا استثنائيًّا لمرة، مرة واحدة فقط، لا غير.
واحتفالنا اليوم سيكون بأغنية وقصة. لا تستغرب. فأنا -كما تعرف- «سمِّيعٌ» قديم، حالمٌ ربما، أو باحثٌ عن المثال، أو لعلي - في نظرك- ساذجٌ عائش في الأوهام.. لا يهم!
المهم أنني على كثرة ما سمعتُ من أغانٍ على مدى عمر؛ لم أجد أجمل وأصدق من هذه الأغنية عن الصداقة. والمفارقة، أنني عرفتُ أيضًا من قريب قصة خروجها إلى النور، فكانت المفاجأة؛ شعرتُ بأن الأغنية والقصة معًا شيءٌ واحدٌ متصل؛ كلٌّ متكاملٌ غير منفصل.. فقررتُ أن أهديهما معًا إليك.
عنوان الأغنية هو «يا صديق»، كما بدأتُ رسالتي لك، كتبها الشاعر الكبير إبراهيم عبدالفتاح، ولحَّنها رياض الهمشري، وغنَّاها طبعًا مطربي المفضل في أيام الشباب والصبا مدحت صالح.
تقول كلمات الأغنية: «بافرِد ضلوعي لِحَد جرحك ياصديق/ وبَإيد شموعي عشان أصاحبك ع الطريق/ وبَامِدّ شوقي مَركِبة/ واحلم بِضِلَّة قُريبة/ يجمعنا من تاني الغُنا عن طير بريء/ إنتَ اللي همَّك في الحياة همِّي/ شايلك ما بين أحضاني وباسمِّي/ واسمع نِداك بِيئن في ضلوعي/ مين اللي فرَّق عالدروب دمي/ مين اللي خانق في السما قمري المضيء/ وانتَ اللي رغم الجرح بتغنِّي/ شايلك ما بين الرمش والننِّي/ واسمع غُناك بِيئن في سكوتي/ امتى حاعيش يا دُنيتي سِنِّي/ امتى الندى حيبات على الورد الرقيق».
عندما سمعتُ هذه الأغنية لأول مرة، قبل سنين طوال، تعجَّبتُ، ذُهِلتُ، وتساءلت: كيف؟!
لستُ ناقدًا فنيًّا أو أدبيًّا، لكن صنعتي الكتابة، لذا... كدتُ أصرخ.. من أين جاء الشاعر بهذه الصور المُحلقة، فائقة السمو والرقة؟!.. كيف؟!.. كيف يفرد إنسان ضلوعه فيتسع صدره ويمتد، ليضم جرح صديقه بداخله، يحتويه، يطمئنه، وبين أحضانه يهدهده، يسمع نداءه داخل ضلوعه هو، وغناءه أنينًا في سكوته هو؟!
لكن.. لا عجب.. فالهمُّ واحدٌ ومشترك؛ همُّ الصديق همُّه هو. متوحدان معًا هما، حتى إننا نتوقف لنفهم بالتحديد مَن منهما الصادح بالأسئلة؛ «مين اللي خانق في السما قمري المضيء».. أيكون الشاعر أم الصديق، أم كلاهما معًا؟!
أو.. ربما.. يكون الشاعر في مواجهة الصديق الذي اختار الرحيل!.. نحتاج هنا إلى تأمل التفاصيل.. فالشاعر يبدو كمن يناجي صديقًا لم يعد موجودًا، إذ يمد شوقه ليغدو «مَركِبة» تقطع النهر أو البحر، لتصل إلى الصديق البعيد، ويحلم بظل قريب، كي يجمعهما الغناء مرة أخرى؛ «من تاني»، عن «طير بريء»، ربما كان هو طير علاقتهما كما ظنها هو؛ «بريئة»، لكن الطير مضى في الأخير!
ولذا.. يصدح الشاعر في الختام بسؤال جريح: «امتى الندى حيبات على الورد الرقيق»؟!
يا للجمال!.. يا للَّوحة الشعرية الفاتنة!.. هكذا رأيتُها.. ولِذاتي فسَّرتُها.. لكن كيف رسمها الشاعر؟!
لا يمكن طبعًا معرفة إجابة السؤال، إنما هو الصدق والموهبة، ورهافة الجمال، لكنني عرفتُ قصة خروج الأغنية إلى النور، من خلال مقال، كتبه الأستاذ إبراهيم عبدالفتاح نفسه في ملحق «حرف» بجريدة «الدستور»، عدد الثامن من أبريل الماضي، بعنوان «سيرة غنوة».
إليك القصة -يا صديق- فتأملها جيدًا لعلك تجدها متسقة مع الأغنية!
كتب الأستاذ: «في البدايات، حين كان الشغف أكبر من الإمكانيات، وكنا نظن أن الأغاني تُصنع فقط من القلب، لا من العلاقات ولا من الحسابات، كنت أنا وجمال عطية (الملحن الكبير) نعيش على الهامش، نقتسم الليل بين شوارع القاهرة وأحلام أكبر من جيوبنا. في ليلة طويلة من التسكع، تذكر جمال أن عيد ميلاد أحد نجوم الغناء الذي جمعتنا به صداقة يومية وأيضًا بعض الأغاني، قد اقترب، وقال بحماس مفاجئ: لازم نحتفل به، ولازم نجيب له هدية».
ضحك الشاعر في سره، «أي هدية ونحن لا نملك ثمن الطريق؟»، لكن الملحن اقترح فورًا: «نكتب له أغنية.. عن الصداقة»!
وهكذا، من لا شيء تقريبًا، وُلدتْ «يا صديق»، كما يقول إبراهيم عبدالفتاح: «كتبتُها وأنا أصدق كل كلمة فيها، ولحَّنها جمال كأنه يسكب روحه، ثم حملناها في ظرف بسيط، موثقة بالشهر العقاري، ومسجلة على شريط كاسيت بصوت يشبهنا مرتبكًا وصادقًا. ذهبنا إلى بيت النجم، وقدمناها كهدية لا نملك غيرها».
مرت الأيام، ومرض إبراهيم، وجد نفسه على سرير في مستشفى استثماري، يقيس الوقت ببطء الألم، وكان المكان يحتاج مالًا كثيرًا، لكن المفاجأة -كما يقول- لم تكن في الفاتورة بل الناس.
فجأة، زاره فنانون لم يعمل معهم يومًا، وأصدقاء لم يكن يعرف أنهم أصدقاء، وعمال وجرسونات من أماكن كان يرتادها بلا انتباه، أما ذاك.. صاحب الأغنية.. فلم يأتِ أبدًا.
اتصل به الأستاذ إبراهيم، قبل زمن المحمول، من هاتف أرضي يحمل كل ارتباكه، لكن جاءه الرد بصوت صديقة مشتركة، بأنه «مشغول». أغلق الهاتف، منكسرًا بهدوء، قائلاً لنفسه: «إن غنَّى يومًا عن الصداقة لن أصدقه، حتى لو كنتُ أنا من كتب الكلمات».
ولكن.. خلال محنة مرضه، وجد ما لم يتوقعه أو ينتظره، زاره مدحت صالح في المستشفى، ومعه الفنان شريف منير، ثم أصبحت الزيارة زيارات، «حتى صار جزءًا من يومي»، كما يقول: «لم يكتفِ بالسؤال، بل أحاطني بعناية لم أطلبها لكنني كنت أحتاجها. هناك، فهمتُ المعنى الحقيقي للكلمات التي كتبتُها. خرجتُ من المستشفى وأنا أعرف شيئًا واحدًا: هذه الأغنية يجب أن تجد صوتًا يشبهها».
استأذن إبراهيم عبدالفتاح الملحن جمال عطية، شريكه في الهدية، وأعطى الأغنية للملحن رياض الهمشري، وحين سمعها مدحت صالح لم يتردد لحظة، تحمس لها، وغناها فورًا، بصوت وصفه بأنه «يقطر صدقًا، كأنه عاشها.. لا غنَّاها فقط».
ويختتم الشاعر مقاله الملهِم بقوله: «كانت (يا صديق) أكثر من مجرد أغنية. كانت اختبارًا سقط فيه البعض، ونجح فيه من لم يدَّعِ شيئًا»!
وهكذا يا صديق.. أرأيتَ الآن كيف تكاملت «الغنوة» مع القصة؟!.. أرأيتَ النهاية الملهمة؟!.. «كانت اختبارًا....»، أكمِل أنتَ الجملة…
واختبارات الحياة عديدة.. يسقط فيها كثيرون.. إنما أردتُ فقط -في اليوم العالمي للصداقة- أن أعايدك، في أي أرضٍ تكون.. معايدة لمرة واحدة فقط لا غير.. أتمنى لك فيها الخير، كما أتمناه للكل، دون خصوصية تُذكر.
فلا تنشغل أبدًا بإجابة السؤال: «امتى الندى حيبات على الورد الرقيق»؟! فقد حدث بالفعل، وانتهينا، بفضل آخرين، كانوا -يوم الاختبار- ناجحين، محبين، أصدقاء حقيقيين، لا افتراضيين، هم الأوْلى اليوم ليس بالمعايدة.. إنما بالشكر.