بداية نذكر بقوله تعالى، (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ)، وقوله جل وعلا (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)
ولعلّ خير مَن ينطبق عليه هذا الوصف ويثبّت هذه المعاني هو الإمام الفضيل بن عياض (١٠٧ - ١٨٧ هـ)، الذي اشتهر في التاريخ الإسلامي بـ «عابد الحرمين»؛ لملازمته الزهد والعبادة والمجاورة في الحرمين الشريفين بمكة والمدينة، وهو مَن نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله تعالى.
ونطرح سؤالاً مهما، هل ينتمي الفضيل بن عياض إلى مدرسة الزهد في القرنين الأول والثاني الهجريين، تلك المدرسة التي كان ينتمي إليها أكابر صحابة النبي "صلى الله عليه وسلم" الذين عاصروه ثم من خلفوه وأسلافهم، وهل يعد الفضيل ممن أسس ووضع اللبنات الأولى للتصوف الإسلامي.
هيا بنا لنتعرف على الخصائص التي تميزت بها حركة الزهد في القرنين الأول والثاني الهجريين، أولى هذه الخصائص، زهد يقوم على التخلية، تخلية النفس من كل ما يشغلها عن الطاعة. أما ثاني هذه الخصائص التحلية، بمعنى التحلي بكل خصال الخير، ولا يأتي هذا التحلي إلا بممارسة الزهد النبوي «أَجُوعُ يَوْمًـا فَأَصْبِرُ، وَأَشْبَعُ يَوْمًـا فَأَشْكُرُ».
نأتي إلى ثالثة هذه الخصائص الرهبة والخوف الشديد من الله، وهذا ما وجدناه عند الحسن البصري رحمه الله مؤسس مدرسة البصرة، وما وجدناه عند أئمة مدرسة الكوفة ومدرسة المدينة المنورة.
ثم رابعة هذه الخصائص، المحبة، بمعنى الاستغراق بالكلية في محبته جل وعلا، فالمحب في هذه الحالة يحبه حبًا مفارقًا متعاليًا، منزهًا عن كل غرض؛ وهذا ما وجدناه عند رابعة العدوية، رحمها الله رحمة واسعة.
الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي اليربوعي.
ولد في سمرقند عام ١٠٧ هـ وتوفي بمكة المكرمة عام ١٨٧ هـ.
أما عن قصة توبته، فقد كان الفضيل قاطع طريق وسارق يثبت المارة ويسرق ممتلكاتهم، وذات يوم كان يتسلق جدارًا ليسرق دارًا، فسمع صوتًا يتلو القرآن بصوت عذب رقيق، (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ).
انظروا إلى هداية الله تعالى لعباده، فلا قنوط من رحمة الله، فمن لص وهجام وقاطع طريق إلى زاهدٍ وراوٍ للحديث وفقيه وزاهد تعلم على يديه آلاف المريدين، فماذا قال عندما سمع هذه الآية الكريمة، قال بلى يا رب، ومن بعدها أعلن التوبة النصوح أمام الله تعالى والتزام الطاعة.
وراح يجالس العلماء فارتحل إلى الكوفة وهو كبير السن، فسمع الحديث من كبار شيوخ عصره، ثم استقر بمكة.
عرف في علم الحديث بأنه ثقة، حجة، وصدوق.
اشتُهر بحكمه البليغة عن الإخلاص والزهد، ومن كلامه، «لَوْ رُزِقَ الْعَبْدُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلّٰهِ، لَكَانَ إِلْهَامُ اللّٰهِ لَهُ بِالْحَمْدِ أَعْظَمَ نِعْمَةً مِنْ إِعْطَائِهِ الدُّنْيَا».
أما عن تقواه وورعه فنذكر ما قاله عنه معاصروه ومن تتلمذ على أيديهم وكذلك تلاميذه المقربون.
عبد الله بن المبارك: كان يقول: "إذا نظرت إلى الفضيل جدد لي الحزن، ومقتُّ نفسي"، وقال أيضًا: "ما بقي على ظهر الأرض أفضل من الفضيل".
الإمام الشافعي: قال عنه: "ما رأيت أحدًا أخوف من الفضيل، يقصد لا يوجد من هو يخاف الله أكثر من الفضيل.
من مأثوراته في الزهد، فنجده يفرق بين الإخلاص والرياء، والإخلاص من الفضائل، الإخلاص في الأقوال والأفعال وعرف فضيلة الإخلاص قائلا "ترك العمل لأجل الناس، وإخلاص العمل لأجل الله سبحانه وتعالى، وإلا سيتحول الإخلاص إلى رياء.
أما عن فضيلة الخوف من الله: "إذا قيل لك: هل تخاف الله؟ فاسكت؛ فإنك إن قلت "نعم" كذبت (لأن الخائف لا يجرؤ على الذنب)، وإن قلت "لا" كفرت".
ثم وجدناه يضرب أروع الأمثلة عندما تحدث عن التواضع: "التواضع أن تخضع للحق وتنقاد له، وتقبله ممن قاله، ولو سمعته من صبي قبلته منه"، وهو في تواضعه يطبق قول الله تعالى (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) مطبقًا سنة النبي "صلى الله عليه وسلم" (من تواضع لله رفعه).
ضرب أروع الأمثلة في عدم خشيته من الأمراء والملوك؛ دخل عليه ذات ليلة مظلمة هارون الرشيد، يطلب منه الموعظة والإرشاد، فلامست يده يد هارون فوجدها لينة الملمس، فقال له الفضيل يا ليت هذه اليد تنجو من عذاب الله تعالى.
الحكمة هنا أن لين ورغد العيش والانغماس في ملذات الدنيا، يبعد الإنسان عن الله تعالى، فبكى الرشيد بكاءً حارًا حتى أغشي عليه، فلما أفاق ذكره الفضيل بالله وبمراعاة الرعية الذي هو مستأمن عليهم، فأراد أن يعطيه مالاً، فبادره القول، أنا أنصحك وأذكرك بالله وأنت تعطيني هذه الصرة من المال.
توفي الفضيل عام ١٨٧ه، ودفن بمكة المكرمة.
حقًا صدق فيه وكل ما من هو على شاكلته، قوله تعالى: (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)
ما أحوجنا الآن في عصرنا هذا الذي طغت عليه المادية المسرفة، والانغماس في شهوات الدنيا والإسراف على النفس والبعد عن الله تعالى، ما أحوجنا إلى التذكرة بأحوال هؤلاء الأكارم، الذين أفنوا أعمارهم في طاعة الله تعالى، ما أحوجنا أن نُذكِّر علماءنا بهؤلاء العباد الزهاد، ما أحوجنا أن نُذكِّر قادتنا بالله تعالى؛ تحفيزًا لهم كي يهتموا بالرعية الذين هم أمانات الله عندهم.
نعم هؤلاء هم القدوة الحسنة، أولئك الذين ينبغي لنا أن نقتدي بهم وَنَذْكُرَ سيرهم لأبنائنا.
* أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب العاصمة ورئيس القسم السابق