لم يعد الرهان الحقيقي في الشرق الأوسط هو كسب الحروب بقدر ما أصبح كسب المستقبل. لقد أنهكت الصراعات المنطقة لعقود، وهي تدخل اليوم مرحلة جديدة، تُقاس فيها قوة الدول بقدرتها على بناء الاقتصاد، وجذب الاستثمارات، وصناعة الشراكات، لا بعدد الجبهات المفتوحة.
ومن هذا المنطلق، تبدو الرسائل التي حملها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارته إلى تركيا أكثر من مجرد تصريحات دبلوماسية، بل تعكس رؤية تسعى إلى إعادة تعريف دور العراق في الإقليم.
وتُشكل العاصمة التركية المحطة الخارجية الثالثة، للزيدي، منذ توليه منصبه في أبريل، بعدما زار كلاً من واشنطن وطهران.
وأوضح الناطق باسم الحكومة العراقية، باسم العبودي،. أن المحادثات العراقية التركية ستسلط الضوء بشكل خاص على ملف المياه بموجب الاتفاق الإطاري المبرم بين الجانبين، إضافة إلى مناقشة التعاون في مجالات الطاقة، ومستجدات مشروع "طريق التنمية" الإستراتيجي، وملفات التعاون الإستراتيجي بين البلدين وأزمات المنطقة.
ولقد عكست جولات الزيدي رسائل مهمة سواء من حيث التوقيت أو الترتيب، إلا أن أبرز رسالة وجهها الزيدي عندما قال إن "الاستقرار لا تحققه الصراعات، بل المشاريع المشتركة، ولا يصنعه التنافس بين الجيران بل التكامل بينهم"، فإنه لم يكن يتحدث فقط عن العلاقات العراقية-التركية، وإنما كان يطرح فلسفة جديدة لإدارة التحديات في الشرق الأوسط، تقوم على تحويل الجغرافيا من مصدر للنزاعات إلى مصدر للفرص.
هذا التحول ليس رفاهية سياسية، بل استجابة لمتغيرات دولية وإقليمية متسارعة.
فالعالم يعيد رسم خرائط التجارة وسلاسل الإمداد، وأصبحت الممرات الاقتصادية أحد أهم عناصر المنافسة بين الدول. وفي هذا السياق، يمتلك العراق فرصة نادرة لاستعادة مكانته، مستفيدًا من موقعه الذي يربط الخليج مع تركيا وأوروبا، ومن مشروع "طريق التنمية" الذي يمكن أن يتحول إلى أحد أهم المشاريع الاقتصادية في المنطقة إذا توافرت له الإرادة السياسية والاستقرار الأمني.
ولا يمكن قراءة زيارة الزيدي إلى أنقرة بمعزل عن هذا السياق. فالعراق وتركيا يمتلكان عناصر تكامل حقيقية؛ فتركيا تمتلك قاعدة صناعية متقدمة، وخبرة واسعة في مجالات النقل والطاقة والبنية التحتية، بينما يمتلك العراق موقعًا إستراتيجيًا وثروات طبيعية هائلة وسوقًا واعدة للاستثمار.
وإذا نجح البلدان في إدارة الملفات الخلافية، وعلى رأسها المياه والأمن الحدودي، فإنهما قد يقدمان نموذجًا جديدًا للتعاون الإقليمي يقوم على المصالح المشتركة لا على الحسابات الصفرية.
لكن نجاح هذا الرهان لا يتوقف على العلاقات الخارجية وحدها، وإنما يبدأ من الداخل العراقي. فالعراق بحاجة إلى مواصلة الإصلاح الاقتصادي، وتحسين بيئة الاستثمار، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز مؤسسات الدولة، ومحاربة الفساد، وهي ملفات لا تقل أهمية عن أي اتفاقيات أو تفاهمات إقليمية؛ فالمستثمر يبحث أولًا عن الاستقرار، والمشروعات الكبرى تحتاج إلى مؤسسات قوية قادرة على التنفيذ والمتابعة.
كما أن رهان الزيدي يقوم على إعادة تقديم العراق بوصفه دولة مبادرة لا ساحة للصراعات.
فعلى مدى سنوات طويلة ارتبط اسم العراق بالحروب والإرهاب والأزمات السياسية، أما اليوم فهناك محاولة لتغيير هذه الصورة، من خلال سياسة خارجية متوازنة تنفتح على الجميع، وتبني علاقات متوازنة مع تركيا وإيران والدول العربية والولايات المتحدة، انطلاقًا من أن مصلحة العراق تكمن في تنويع شراكاته، لافي الارتهان لأي محور.
ويحسب للزيدي أنه يربط بين الأمن والتنمية، فالتنمية لا تزدهر في بيئة مضطربة، كما أن الأمن لا يستقر في ظل البطالة والفقر وضعف الخدمات. لذلك فإن مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، إلى جانب التعاون في إدارة الموارد المائية والطاقة، ليست ملفات منفصلة، بل حلقات في مشروع متكامل يهدف إلى بناء دولة أكثر استقرارًا وقدرة على النمو.
غير أن الطريق لن يكون سهلًا. فالعراق لا يزال يواجه تحديات سياسية واقتصادية معقدة، كما أن المنطقة نفسها تعيش حالة من إعادة التشكل، في ظل تنافس إقليمي ودولي على الممرات الاقتصادية ومصادر الطاقة ومناطق النفوذ. ومن ثم، فإن نجاح مشروع "طريق التنمية" لن يعتمد فقط على الجغرافيا، بل على سرعة الإنجاز، والقدرة على جذب التمويل، وإقناع الشركاء بأن العراق أصبح بيئة آمنة للاستثمار.
وربما تكون أهم رسالة حملها الزيدي هي أن الشرق الأوسط بحاجة إلى قصص نجاح جديدة. فالمنطقة عانت طويلًا من قصص الحروب والانقسامات، بينما أصبح مواطنوها يتطلعون إلى نماذج تحقق التنمية وتوفر فرص العمل وتحسن مستوى المعيشة.
وإذا استطاع العراق أن يتحول إلى مركز إقليمي للنقل والطاقة والتجارة، فإنه لن يحقق مكاسب وطنية فحسب، بل سيقدم نموذجًا عربيًا جديدًا يقوم على التكامل الاقتصادي بدلًا من الصراع السياسي.
ويبقى السؤال: هل ينجح الزيدي في تحويل هذه الرؤية إلى واقع؟ الإجابة لن تقدمها التصريحات ولا الزيارات الرسمية، وإنما تحددها الإنجازات على الأرض. فإذا نجح في تنفيذ مشروعاته، وتعزيز الإصلاحات، وبناء شراكات إقليمية مستدامة، فقد يصبح العراق واحدًا من أهم قصص النجاح في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
إن رهان الزيدي ليس مجرد رهان على حكومة أو مشروع اقتصادي، بل هو رهان على قدرة العراق على استعادة دوره التاريخي كجسر يربط المشرق بالخليج وآسيا وأوروبا، وكدولة تصنع الاستقرار عبر التنمية، لا عبر الصراعات.
وإذا كسب العراق هذا الرهان، فإن بغداد لن تربح وحدها، بل الشرق الأوسط بأسره، الذي يبحث منذ سنوات عن قصة نجاح حقيقية تعيد إليه الثقة بالمستقبل.