حين تحمي الدولة ذاكرتها.. فإنها تؤسس لمستقبلها

29-7-2026 | 13:57

ليست كل المشروعات الوطنية تُقاس بما يُصب فيها من خرسانة وحديد، ولا بما تشيده من طرق أو جسور، فهناك مشروعات تبني الإنسان، وأخرى تحفظ هوية الوطن، وثالثة تصون ذاكرته من الضياع.

ومن هذا النوع النادر يأتي المشروع الوطني لرقمنة وأرشفة تراث ماسبيرو، الذي وجّه به الرئيس عبدالفتاح السيسي، باعتباره واحدًا من أكثر المشروعات الإستراتيجية أهمية في تاريخ الدولة المصرية الحديثة.

قد يختلف الناس في ترتيب أولويات التنمية، لكنهم لا يختلفون على أن الأمم التي تفقد ذاكرتها، تفقد قدرتها على كتابة مستقبلها.

 فالأرشيف ليس مخزنًا للأشرطة، بل هو الوعي الجمعي للدولة، وسجلها الحضاري، وشاهدها على السياسة والثقافة والفن والرياضة والمجتمع. ولذلك فإن حماية هذا التراث ليست ترفًا ثقافيًا، وإنما ضرورة تتعلق بالأمن الثقافي، والسيادة الرقمية، والهوية الوطنية.

لقد بنت مصر السد العالي فحفظت ماءها، وشقت قناة السويس فحفظت مكانتها الجغرافية، واليوم تمضي نحو مشروع يحفظ عقلها وذاكرتها. فالسد العالي حمى الحياة، وقناة السويس صنعت شريانًا للتجارة العالمية، أما رقمنة التراث فهي حماية لرواية مصر نفسها، حتى لا يكتبها الآخرون، ولا يحتكرها من لا يملك حقها.

إن القيمة الحقيقية لهذا المشروع لا تكمن فقط في إنقاذ ما يقرب من مليون شريط صوتي ومرئي، ولا في رقمنة مئات الآلاف من ساعات المحتوى، وإنما في تحويل هذا الإرث إلى قوة ناعمة متجددة، وإلى أصل اقتصادي واستراتيجي قادر على إنتاج المعرفة، وصناعة التأثير، وتعزيز الحضور المصري في الفضاء الرقمي العالمي.

والأهم أن المشروع لا يتوقف عند حدود الحفظ، بل يتجاوزها إلى الاستثمار. فالرؤية التي طُرحت تقوم على إعداد جيل جديد من الشباب المصري لإدارة المحتوى الرقمي، وإعادة تقديمه للعالم بأحدث التقنيات، مع حماية حقوق الملكية الفكرية، وتعظيم العائد الاقتصادي والثقافي منه. وهنا تتجلى فلسفة الدولة الحديثة؛ فالمعرفة لا تُخزَّن، وإنما تُدار، والذاكرة لا تُغلق عليها الأبواب، وإنما تتحول إلى مورد دائم للقوة والاقتصاد والثقافة.

وفي عالم أصبحت فيه المنصات الرقمية ساحةً للصراع على الوعي، لم يعد امتلاك المحتوى كافيًا، بل أصبح امتلاك القدرة على تنظيمه ونشره وتسويقه وحمايته جزءًا من مفهوم الأمن القومي. ومن هنا فإن هذا المشروع يمثل انتقالًا من عصر الأرشيف الورقي والشرائط إلى عصر السيادة الرقمية المصرية.

خيرًا فعل الرئيس عبدالفتاح السيسي حين نظر إلى المستقبل بعينٍ لا تنشغل بالحاضر وحده. فالدول العظيمة لا تبني فقط ما يستخدمه أبناؤها اليوم، بل تبني أيضًا ما سيحفظ تاريخهم بعد مائة عام. وربما تأتي أجيال لا تعرف أسماء من خططوا لهذا المشروع أو نفذوه، لكنها ستعرف أن مصر، في لحظة فارقة، قررت ألا تسمح لذاكرتها أن تضيع، ولا لقوتها الناعمة أن تتآكل، ولا لتاريخها أن يبقى حبيس الأرفف.

إن الأمم الكبيرة تُخلّد نفسها بمشروعات تبقى بعد أصحابها، وهذا المشروع، في جوهره، ليس مشروعًا لتخزين الماضي، بل مشروعًا لصناعة المستقبل؛ لأن من يحفظ ذاكرته، يمتلك دائمًا القدرة على كتابة تاريخه من جديد.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: