الإنسان في زمن السرعة

28-7-2026 | 16:56

هناك سؤال بسيط قد يبدو عابرًا، لكنه يحمل في داخله الكثير من المعاني؛ ألا وهو متى كانت آخر مرة عشت فيها لحظة كاملة دون أن تنظر إلى الساعة، أو تتفقد هاتفك، أو تفكر فيما ينتظرك بعد دقائق؟

نحن لا نعيش زمنًا سريعًا فحسب، بل نعيش حياة أصبحت السرعة عنوانها الأكبر. 

نستيقظ على عجل، ونغادر منازلنا على عجل، ونتناول طعامنا على عجل، ونعمل على عجل، وحتى لحظات الراحة نحاول أن نختصرها. 

أصبحنا نتعامل مع الوقت وكأنه خصم يجب هزيمته، لا نعمة ينبغي أن نحسن استثمارها، وسط هذا الإيقاع المتسارع، أصبح الهاتف المحمول أول رفيق نستقبله مع بداية اليوم، تمتد أيدينا إليه بصورة تلقائية، فنراجع الرسائل، ونتصفح البريد الإلكتروني، ثم ننتقل إلى منصات التواصل الاجتماعي، يلفت انتباهنا مقطع فيديو، ثم آخر، ثم ثالث، ويجرنا منشور إلى آخر، حتى نكتشف أن ساعات من يومنا مضت دون أن نصنع فيها ذكرى واحدة، أو ننجز شيئًا حقيقيًا، سوى أننا تركنا الوقت ينساب من بين أيدينا.

ولعل المفارقة الأكثر غرابة أن الإنسان اخترع التكنولوجيا ليختصر الوقت، فإذا بها تسرق منه الوقت ذاته، فلم تعد المشكلة في الهاتف أو التطبيقات، بل في الطريقة التي سمحنا لها بأن تعيد تشكيل عاداتنا اليومية، حتى أصبحنا نخشى التوقف أكثر مما نخشى الاستمرار في الركض.

ومع مرور الأيام، لم تقتصر السرعة على تنقلاتنا أو أعمالنا، بل امتدت إلى مشاعرنا أيضًا. 

نحب بسرعة، ونغضب بسرعة، ونسامح بسرعة، وننسى بسرعة، أصبحت العلاقات تُبنى في أيام، وتنتهي في لحظات، وأصبح الحكم على الأشخاص والأحداث يصدر قبل أن تكتمل الصورة، ورغم كل ما وفرته التكنولوجيا من وسائل للراحة، فإن الإنسان المعاصر يبدو أكثر إرهاقًا من أي وقت مضى. 

ازدادت المعلومات، لكن التركيز تراجع.. كثرت وسائل التواصل، لكن الحوار الحقيقي أصبح أكثر ندرة.. أصبح بإمكاننا الوصول إلى أي مكان في العالم خلال ثوانٍ معدودة دون مغادرة مقاعدنا، بينما أصبح الوصول إلى ذاتنا أكثر صعوبة.

ربما لا تكمن الأزمة في ضيق الوقت، بل في الطريقة التي نعيشه بها، فما قيمة يوم يمتلئ بالإنجازات إذا انتهى دون لحظة هدوء، أو جلسة مع الأسرة، أو كتاب يفتح نافذة جديدة للفكر، أو فنجان قهوة نحتسيه دون أن تسرقنا الشاشات؟! 

ليست الدعوة إلى العودة للماضي، ولا إلى هجر التكنولوجيا، فالسرعة كانت وستظل ضرورة في كثير من جوانب الحياة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى غاية، وعندما يصبح الإنسان أسيرًا لإيقاعٍ لا يمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه.

ربما لا يحتاج الإنسان إلى ساعات إضافية في يومه، بل يحتاج إلى حضور أكبر في كل ساعة يعيشها، يحتاج إلى أن يمنح نفسه حق التوقف، لا هربًا من الحياة، بل حتى يعيشها كما ينبغي. 

الإنجاز الحقيقي لا يقاس بعدد المهام التي أنجزناها، ولا بسرعة الوصول إلى أهدافنا، وإنما بقدرتنا على أن نصل إليها دون أن نفقد سلامنا الداخلي، أو علاقاتنا الأسرية والاجتماعية.

وفي النهاية، سيظل السؤال معلقًا أمام كل واحد منا.. إذا كنا قد نجحنا في اختصار المسافات، وتسريع الأعمال، وتوفير الوقت... فلماذا أصبحنا نشعر أكثر من أي وقت مضى بأن الحياة تمر بنا أسرع مما ينبغي؟!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: