لم تعد السوشيال ميديا في الآونة الأخيرة مجرد وسيلة للتواصل بين الأفراد، بل أصبحت سلاحًا ذا حدين، مع غياب الضوابط المهنية والقانونية التي تحكم المحتوى المنشور.
حتى باتت السوشيال ميديا إحدى أهم الظواهر السلبية في المجتمع، فساهمت للأسف في انتشار الأخبار الكاذبة، وصناعة الشائعات، واغتيال الشخصيات، وانتهاك الخصوصية، وخطاب الكراهية، فضلًا عن ترويج محتوى يفتقر إلى المصداقية والموضوعية، وأصبح السباق نحو تحقيق المشاهدات والإعجابات هو المعيار الأساسي لدى كثير من صناع المحتوى، حتى لو كان الثمن تضليل الجمهور أو إثارة البلبلة.
أما عن منافسة السوشيال ميديا لوسائل الإعلام فحدث ولا حرج، حيث أصبح يتصدر المشهد أفراد لا يمتلكون الحد الأدنى من التأهيل الإعلامي أو الالتزام بأخلاقيات المهنة، بينما تتراجع المؤسسات الإعلامية المحترفة وذات المصداقية أمام سرعة النشر على المنصات الرقمية. فاختلطت الوقائع بالشائعات، والرأي بالمعلومة، والدعاية بالخبر.
لا بد من إيجاد حل سريع وجذري للحال التي وصلت إليها منصات التواصل الاجتماعي والتي أصبحت بيئة خصبة لانتشار الحملات المنظمة التي تستهدف توجيه الرأي العام أو تشويه السمعة أو التلاعب بالحقائق، مستفيدة من الحسابات الوهمية والخوارزميات التي تعزز المحتوى المثير للجدل بغض النظر عن مدى صحته. وفي ظل هذا الواقع، لم يعد المتلقي قادرًا دائمًا على التمييز بين المعلومة الموثقة والمحتوى المضلل.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى وجود كيان رسمي مستقل يتولى تنظيم المشهد الرقمي، ليس بهدف فرض الرقابة على الآراء أو تقييد حرية التعبير، وإنما لوضع إطار قانوني ومهني يضمن حماية المجتمع من المحتوى الضار، ويعزز مسئولية النشر في الفضاء الإلكتروني. على أن يضطلع هذا الكيان بمهام عديدة منها وضع معايير مهنية لنشر المحتوى الإخباري عبر المنصات الرقمية، والتنسيق مع المؤسسات الإعلامية والجهات القضائية؛ لمواجهة الأخبار الكاذبة والحسابات التي تمارس التضليل المنظم، واستقبال شكاوى المواطنين المتعلقة بالمحتوى المسيء أو المضلل، والتحقق منها وفق إجراءات واضحة ودعم برامج التوعية والتربية الإعلامية والرقمية، بما يساعد الجمهور على التحقق من المعلومات وعدم الانسياق وراء الشائعات والتعاون مع شركات التكنولوجيا ومنصات التواصل لتطوير آليات أكثر فاعلية في الحد من انتشار المحتوى المخالف للقانون.
فقد أصبحت معركة هذا العصر التضليل والأكاذيب بعد أن تم ترك المجال واسعًا أمام الشائعة لتصبح واقعًا، وأمام التضليل ليحل محل المعرفة دون وجود كيان واضح لمتابعة مواقع التواصل الاجتماعي وتصحيح مسارها من أجل صالح المجتمع.