الداخلية تكشف ملابسات تحرش عامل بسيدة داخل سيارة أجرة بالقاهرة | جميلة عوض عن دورها في «ريد فلاج»: الشخصية تغيرت أكثر من مرة وأحببت مزيج الحب والكوميديا | النائب عمرو رشاد: لقاء الرئيس السيسي وبوتين في «بريكس» يعكس ثقل مصر وقدرتها على بناء شراكات دولية متوازنة | نشأت حتة: مشاركة الرئيس السيسي في قمة «بريكس» تفتح آفاقًا جديدة أمام الصناعة المصرية وتعزز فرص الاستثمار | النائب باسم بهاء: لقاء الرئيس السيسي وبوتين في «بريكس» يعكس ثقل مصر ويعزز فرص التعاون الاقتصادي والاستراتيجي | مجمع إعلام القليوبية يُطلق ندوة وقافلة طبية ببنها للتوعية بأهمية الكشف المبكر| صور | "عين شمس" تحصد 5 ميداليات في السباحة وفضية بطولة الفرق في الريشة الطائرة بدورة الألعاب الإفريقية للجامعات | محمد طه يحصد المركز الخامس في منافسات التايكوندو بومزا بـ«القاهرة 2026» | نور الدين محمد جابر يحصد برونزيتين في منافسات السباحة لذوي الهمم بـ«القاهرة 2026» | عمرو خالد يحصد برونزية سلاح المبارزة في دورة الألعاب الإفريقية للجامعات «القاهرة 2026» |

مصر و"روح شنغهاي"

28-7-2026 | 15:26

في بيشكيك، عاصمة قيرغيزستان، بدا المشهد أمس 27 يوليو 2026، أكبر من مجرد مؤتمر لمراكز البحوث ووسائل الإعلام. نحو 260 مشاركًا جاءوا من 27 دولة تمثل ما أصبح يُعرف بـ"عائلة منظمة شنغهاي للتعاون"، من رؤساء مراكز فكر ومسئولي مؤسسات إعلامية وباحثين وخبراء. لغات وثقافات وتجارب سياسية مختلفة اجتمعت في مكان واحد لتناقش سؤالاً واحدًا تقريبًا، وهو كيف يمكن التعاون في عالم أصبح أكثر ترابطًا، لكنه في الوقت نفسه أكثر انقسامًا؟

كان هذا، في تقديري، المعنى الأهم لمشاركتي في قمة منظمة شنغهاي للتعاون لمراكز الفكر ووسائل الإعلام في بيشكيك. فالقيمة لم تكن فقط في متابعة تطور منظمة بدأت قبل ربع قرن بست دول ثم اتسعت عائلتها بصورة كبيرة، وإنما في محاولة فهم ما إذا كانت "روح شنغهاي" (التي تمثل مجموعة المبادئ التي قامت عليها هذه المنظمة) قادرة على تقديم شيء مختلف في لحظة دولية تتصاعد فيها الحروب، وتتعمق المنافسة بين القوى الكبرى، وتتزايد الضغوط على التجارة والطاقة والممرات الإستراتيجية، بينما تدخل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بقوة إلى معادلات الأمن والنفوذ.

قبل خمسة وعشرين عامًا، ولدت منظمة شنغهاي للتعاون من حاجة إقليمية محددة، وهي بناء الثقة بين دول الجوار في آسيا الوسطى، وتسوية آثار مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ومواجهة الإرهاب والتطرف والحركات الانفصالية. أما اليوم، فإن المنظمة تناقش قضايا الطاقة، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد، والممرات التجارية، والأمن الغذائي، والحوكمة الدولية. وبين البدايتين، لا تتغير المنظمة وحدها، بل يتغير العالم نفسه.

ولعل السؤال الحقيقي الذي خرجت به من بيشكيك لم يكن هو إلى أين تتجه منظمة شنغهاي للتعاون؟ وإنما إلى أين يتجه النظام الدولي؟

فعلى امتداد ثلاثة عقود، كان العالم يعرف مركزًا واحدًا تقريبًا للقوة، وهو الولايات المتحدة. أما الآن، فإن القوة تتوزع بين عدد أكبر من الفاعلين، لكن القدرة على إدارة هذا التوزع تبدو أقل مما كانت عليه. وبالتالي، أصبحنا أمام مفارقة لافتة تتمثل في أن العالم أصبح أكثر ترابطا من أي وقت مضى، لكنه أصبح أيضًا أكثر انقسامًا. فأزمة في مضيق بحري، أو اضطراب في سوق للطاقة، أو هجوم سيبراني، أو انقطاع في سلسلة إمداد، يمكن أن تنتقل آثاره خلال ساعات من آسيا إلى أوروبا، ومن الخليج إلى إفريقيا.

من هنا يمكن فهم استمرار جاذبية "روح شنغهاي"، التي تستند إليها هذه المنظمة، والقائمة على الثقة والمنفعة المتبادلتين، والمساواة والتشاور، واحترام التنوع الثقافي والتنمية المشتركة. فالمسألة هنا ليست مجموعة مبادئ مثالية بقدر ما هي محاولة لإدارة الاختلاف. فالمنظمة تجمع الصين وروسيا والهند وباكستان وإيران ودول آسيا الوسطى وغيرها، وهي دول تختلف في الحجم والمصالح والنظم السياسية والرؤى الإستراتيجية، وبعضها لديه خلافات حقيقية مع بعضه البعض. ومع ذلك، استطاعت الحفاظ على مساحة مشتركة للحوار والتعاون.

وأرى أن هذه هي التجربة التي تحاول منظمة شنغهاي للتعاون تقديمها للعالم. ولذلك، فإن قيمة "روح شنغهاي" لا تقاس بقدرتها على إزالة الخلافات، فهذا أمر لا تملكه أي منظمة دولية، وإنما بقدرتها على إدارة هذه الخلافات مع توسيع دوائر المصالح المشتركة.

ومن ناحية أخرى، بدا لي خلال مشاركتي في هذه القمة، تزايد اهتمام المنظمة بشدة بمنطقة الشرق الاوسط. فآسيا التي أصبحت محركًا رئيسيًا للاقتصاد العالمي، لم يعد في وسعها أن تنظر إلى أمن الخليج أو استقرار البحر الأحمر أو سلامة قناة السويس باعتبارها قضايا تخص الآخرين. فالممرات البحرية، وشبكات الطاقة، والأسواق الإفريقية، أصبحت جميعها أجزاء من منظومة واحدة، يتوقف عليها استمرار النمو الاقتصادي في الشرق والغرب على السواء.

ومن هنا، خلصت بعد انتهاء هذه القمة إلى أن علاقة مصر بمنظمة شنغهاي للتعاون ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها مجرد صفة "شريك حوار" حصلت عليها القاهرة عام 2022، وإنما باعتبارها فرصة لإعادة تعريف الدور المصري في عالم يتغير. فمصر، بحكم موقعها، ليست مجرد دولة تقع بين قارات ثلاث، وإنما نقطة التقاء بين المجال الأوراسي والعالم العربي وإفريقيا والبحر المتوسط. لكن التاريخ يعلمنا أن الموقع الجغرافي لا يصنع النفوذ وحده. فالنفوذ تصنعه القدرة على تحويل الجغرافيا إلى سياسة، والموقع إلى وظيفة.

وأعتقد أن هذا هو التحدي الحقيقي أمام مصر. فليست القضية أن تمر التجارة عبر قناة السويس، وإنما أن تصبح المنطقة الاقتصادية للقناة جزءًا من سلاسل الإنتاج العالمية، وأن تتحول مصر إلى منصة صناعية ولوجستية تربط الممرات الأوراسية بالأسواق الإفريقية والأوروبية. فالاقتصاد المعاصر لا يكافئ من يملك الممرات فقط، بل من يضيف إليها قيمة.

ولعل ما يمنح مصر فرصة استثنائية في هذه المرحلة أنها أصبحت عضوًا في مجموعة بريكس، وفي الوقت نفسه شريكًا لمنظمة شنغهاي. وهنا يبرز سؤال يستحق التفكير، وهو هل تتعامل القاهرة مع هذين الإطارين باعتبارهما ملفين منفصلين، أم باعتبارهما جزءًا من رؤية واحدة لمكانة مصر في النظام الدولي الجديد؟ 

ومع ذلك، تقتضي الواقعية أيضًا ألا ننظر إلى منظمة شنغهاي للتعاون باعتبارها تكتلاً متجانسًا أو بديلاً للمؤسسات الدولية القائمة. فالمنظمة تضم توازنات معقدة بين الصين وروسيا والهند، كما تضم خلافات معروفة بين بعض أعضائها. وربما كانت هذه الحقيقة هي التي تجعل نجاحها النسبي أكثر دلالة، لأنها تقدم نموذجًا لإدارة التنافس، لا لإلغائه.

ولهذا، فإن الدور المنتظر من مراكز الفكر لا ينبغي أن يقتصر على تفسير ما يحدث، وإنما أن يسبق الحدث نفسه؛ باستشراف المخاطر، وبناء السيناريوهات، وفتح مسارات للحوار قبل أن تتحول الخلافات إلى أزمات. ومن هذا المنطلق، طرحت في بيشكيك فكرة إنشاء شبكة دائمة تربط مراكز الفكر في دول المنظمة بنظيراتها في العالم العربي وإفريقيا، إلى جانب إطلاق «حوار القاهرة-شنغهاي» بوصفه منصة تجمع الباحثين وصناع القرار والإعلاميين حول قضايا الأمن المترابط، والطاقة، والممرات التجارية، والذكاء الاصطناعي.

نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية
وزميل كلية الدفاع الوطني في الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والإستراتيجية

كلمات البحث
الأكثر قراءة