تجدد الحرب التجارية

28-7-2026 | 14:49

لا تتحرك الإمبراطوريات الكبرى بدافع الاقتصاد وحده، ولا ترفع الرسوم الجمركية لمجرد تصحيح عجز في الميزان التجاري. فخلف كل قرار اقتصادي كبير، توجد معادلة قوة، وخلف كل تعريفة جمركية جديدة، توجد خريطة نفوذ يجري رسمها من جديد.

وهذا هو المشهد الذي يطل اليوم على العالم من واشنطن. فالإدارة الأمريكية، التي وجدت نفسها أمام حكم قضائي أطاح بالأساس القانوني لرسوم جمركية فرضتها قبل أشهر، لم تتراجع عن الفكرة، بل غيّرت المبرر. وكأن الرسوم لم تكن هي القضية، بل كانت الوسيلة، أما الهدف الحقيقي فهو الإبقاء على أداة الضغط الاقتصادي باعتبارها أحد أهم أسلحة السياسة الخارجية الأمريكية.

بدأت القصة بالعجز التجاري، ثم انتقلت إلى الأمن القومي، وها هي اليوم ترتدي ثوبًا جديدًا عنوانه "العمل القسري". أما الجوهر فلم يتغير، إذ لا تزال الولايات المتحدة تسعى إلى إعادة صياغة قواعد التجارة الدولية بما يمنحها قدرة أكبر على حماية صناعاتها، وإعادة توجيه حركة الاستثمار وسلاسل الإمداد العالمية وفقًا لأولوياتها الإستراتيجية.

البحث عن غطاء قانوني

بعد أن أبطلت المحكمة العليا الأمريكية الرسوم المفروضة بموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية، سارعت إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى البحث عن سند قانوني آخر. فوجدت ضالتها في المادة (301) من قانون التجارة الصادر عام 1974، وهو تشريع يعود إلى أكثر من نصف قرن، لكنه عاد اليوم ليؤدي دورًا جديدًا في معركة مختلفة تمامًا عن تلك التي وُلد من أجلها.

وبموجب هذا القانون، فتحت واشنطن تحقيقات شملت ستين اقتصادًا تمثل ما يقرب من 99.4% من إجمالي الواردات الأمريكية. واللافت أن القضية لم تعد تدور حول فائض الصادرات أو اختلال الميزان التجاري، وإنما حول مدى التزام هذه الدول بمنع دخول السلع المصنعة باستخدام العمل القسري.

أخلاق التجارة أم سياسة القوة؟

يبدو العنوان أخلاقيًا، لكنه في جوهره اقتصادي وإستراتيجي. فالإدارة الأمريكية ترى أن المنتج الذي يُصنع في بيئة تعتمد على العمالة القسرية يتمتع بتكلفة إنتاج أقل، وبالتالي يكتسب ميزة تنافسية لا تستند إلى الكفاءة، وإنما إلى استغلال الإنسان، ومن هنا أصبح من الممكن تحويل قضية حقوق الإنسان إلى أداة من أدوات السياسة التجارية.

غير أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت مكافحة العمل القسري هدفًا مشروعًا، فهذا أمر لا يختلف عليه أحد. السؤال الأهم هو: هل أصبحت المعايير الإنسانية مدخلًا جديدًا لتبرير الحمائية وإعادة تشكيل النظام التجاري العالمي؟ وهل تتحول المبادئ الأخلاقية إلى أدوات لإعادة توزيع القوة الاقتصادية بين الدول؟

إعادة تشكيل النظام العالمي

الإجابة تبدو واضحة في طبيعة الإجراءات نفسها. إذ قسمت واشنطن شركاءها التجاريين إلى معسكرين: دول تلتزم بالحظر وتُفرض عليها رسومٌ تبلغ 10%، ودول لا تلتزم فتواجه رسومًا تصل إلى 12.5%؛ وبذلك لم تعد التعريفة الجمركية مجرد ضريبة عقابية على الواردات، بل أصبحت وسيلة لتقويم سياسات الدول وتشريعاتها الداخلية، وربطها بحق النفاذ إلى أكبر سوق استهلاكية في العالم.

رفض دولي واسع

ولم يكن غريبًا أن تأتي ردود الفعل غاضبة. إذ رأت الصين في الخطوة استمرارًا لسياسة الضغوط الأحادية، ونفت بصورة قاطعة مزاعم العمل القسري، بينما اعتبر الاتحاد الأوروبي أن الاستنتاجات الأمريكية غير مبررة، ووصفتها البرازيل بأنها توظيف سياسي لقضية إنسانية من أجل تبرير سياسة حمائية، فيما أعربت اليابان وأستراليا عن قلقهما من انحراف النظام التجاري العالمي عن قواعده المتفق عليها.

لكن القضية، في حقيقتها، تتجاوز خلافًا بين واشنطن وعدد من شركائها التجاريين. إنها تكشف عن انتقال العالم إلى مرحلة جديدة، لم تعد فيها التجارة منفصلة عن السياسة، ولا الاقتصاد بعيدًا عن الأمن القومي؛ فالمصانع أصبحت جزءًا من معادلات النفوذ، وسلاسل الإمداد تحولت إلى خرائط إستراتيجية، والتعريفات الجمركية العقابية باتت تمارس الدور الذي كانت تؤديه العقوبات الاقتصادية في العقود السابقة.

ولذلك، فإن الخطر الأكبر لا يكمن في نسبة الرسوم نفسها، بل في السابقة التي تؤسس لها. فإذا أصبح لكل قوة اقتصادية كبرى الحق في فرض تعريفات استنادًا إلى معاييرها الخاصة، فإن النظام التجاري العالمي سيكون أمام أخطر اختبار في تاريخه.

الاقتصاد العالمي يدفع الثمن

اقتصاديًا، لن تقف آثار هذه السياسات عند حدود الموانئ أو الجمارك. فكل زيادة في الرسوم تعني ارتفاعًا في تكلفة الإنتاج، ثم زيادة في أسعار السلع، ثم ضغوطًا تضخمية جديدة يتحملها المستهلك النهائي. كما ستضطر الشركات العالمية إلى إعادة رسم خرائط سلاسل التوريد، ونقل جزء من استثماراتها، وتحمل تكاليف امتثال إضافية، وهو ما يقلل من كفاءة التجارة الدولية ويحد من النمو الاقتصادي.

نحو اقتصاد عالمي متعدد التكتلات

ومن المفارقات أن السياسات التي تستهدف تعزيز الصناعة الأمريكية قد تدفع، في الوقت نفسه، كثيرًا من الاقتصادات الكبرى إلى تسريع مساعيها لتقليل الاعتماد على السوق الأمريكية، عبر توسيع الاتفاقيات الإقليمية، وتعزيز التجارة البينية، وبناء شبكات إنتاج جديدة أقل ارتباطًا بواشنطن. وهنا تبدأ النتائج غير المقصودة؛ إذ إن الضغوط التي تهدف إلى تكريس النفوذ قد تسرّع في المقابل عملية إعادة توزيع مراكز القوة الاقتصادية عالميًا.

وتزداد الصورة تعقيدًا مع استمرار الإدارة الأمريكية في فتح تحقيقات جديدة مع ستة عشر اقتصادًا آخر بشأن فائض الطاقة الإنتاجية، وهو ما يشير إلى أن الرسوم الحالية ليست سوى محطة في مسار أطول، قد يشهد جولات جديدة من التصعيد التجاري خلال الأشهر المقبلة.

عصر الحمائية الجديدة

إن العالم يقف اليوم أمام تحول يتجاوز الخلاف حول التعريفات الجمركية. فما يجري ليس مجرد نزاع على نسب الرسوم المفروضة على الواردات، وإنما إعادة تعريف للعلاقة بين الاقتصاد والسياسة، وبين التجارة والقوة. ولم تعد الأسواق وحدها هي التي تحدد اتجاه حركة السلع، بل أصبحت القرارات السياسية، والاعتبارات الأمنية، وقضايا حقوق الإنسان، عناصر متداخلة في معادلة واحدة.

وقد يكون من السهل فرض رسوم جمركية جديدة، لكن من الصعب إعادة بناء الثقة التي يقوم عليها النظام التجاري العالمي. فالتجارة لا تزدهر في مناخ الشك، والاستثمار لا ينمو في ظل القواعد المتغيرة، وسلاسل الإمداد لا تستقر عندما تتحول إلى رهائن للصراع السياسي.

وهكذا، يدخل العالم فصلًا جديدًا من الحرب التجارية، حرب لا تُقاس فيها الانتصارات بحجم الرسوم المفروضة، وإنما بقدرة كل طرف على إعادة رسم خريطة الاقتصاد العالمي بما يخدم مصالحه. وفي مثل هذه الحروب، لا يكون الخاسر طرفًا واحدًا، بل الاقتصاد الدولي بأكمله، الذي يجد نفسه مرة أخرى يدفع ثمن حمائية واشنطن.

للتواصل: [email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: