لم تعد الأوبئة في القرن العشرين مجرد كوارث صحية تنتظر وصولها إلى المستشفيات، بل بدأت تظهر في حسابات الدول باعتبارها احتمالاً يؤثر في الأمن والاستقرار.
كان العالم بعد الحرب العالمية الثانية يعيش عصر الخوف الأكبر؛ صراع بين قوتين عظميين، وسباق تسلح، وقلق دائم من مواجهة شاملة. في هذا المناخ، لم تعد الأسلحة التقليدية وحدها محور التفكير الإستراتيجي، بل ظهرت مخاوف مرتبطة بالأسلحة البيولوجية وانتشار الأمراض.
ولم يكن ذلك يعني أن كل وباء نتيجة عمل سياسي أو عسكري، بل إن الدول بدأت تنظر إلى الأوبئة باعتبارها سيناريوهات تستوجب الاستعداد، كما تستعد للحروب والكوارث الكبرى.
ومن هنا ظهرت فكرة المحاكاة؛ أي تخيل أسوأ السيناريوهات، لا بهدف التنبؤ بها، بل لاختبار قدرة المؤسسات على التعامل معها.
في عام 2001، أُجري في الولايات المتحدة تمرين "الشتاء المُظلم" (Dark Winter)، وهو محاكاة لهجوم افتراضي بفيروس الجدري، ركز على أسئلة عملية تتعلق بقدرة المستشفيات، وآليات اتخاذ القرار، والحفاظ على ثقة الناس أثناء الأزمات.
وبعد سنوات، عندما واجه العالم جائحة كوفيد-19، أعاد كثيرون النظر إلى هذه التدريبات باعتبارها تذكيرًا بأهمية الاستعداد، لكن الفارق كان واضحًا بين محاكاة افتراضية وأزمة حقيقية عاشها مليارات البشر.
في ثمانينيات القرن الماضي، ظهر فيروس نقص المناعة المكتسب "الإيدز"، وكان المرض محاطًا بالغموض والخوف، مما فتح الباب أمام تفسيرات خاطئة وأحكام مسبقة.
حاول الإعلام الغربي ربطه بفئات أو مناطق معينة، بينما كان الفيروس قضية صحية عالمية لا ترتبط بعرق أو جنسية. وأصبح الإيدز مثالاً على أن الوباء يختبر أخلاق المجتمعات أيضًا، إذ يؤدي التمييز إلى إعاقة العلاج والتوعية.
وفي عام 2003، ظهر فيروس سارس في جنوب الصين وانتشر إلى عدة دول. ورغم محدودية الوفيات مقارنة بأوبئة أخرى، فإن أثره السياسي كان كبيرًا بسبب الجدل حول سرعة تبادل المعلومات، وما أثاره من انتقادات وردود متبادلة. وأظهرت الأزمة أن المعلومات أصبحت جزءًا من الاستجابة الصحية، وأن أي تأخير في مشاركة البيانات قد يتحول إلى أزمة ثقة عالمية. وكانت تلك اللحظة إنذارًا مبكرًا بأن الأوبئة الحديثة تتجاوز حدود الدول وتتطلب تعاونًا دوليًا.
وفي السنوات التي سبقت جائحة كوفيد-19، كان مفهوم الاستعداد للأوبئة حاضرًا بقوة في الأوساط العلمية، وبرزت تحذيرات من مخاطرها، منها تصريحات بيل جيتس، كما أُعيد بعد الجائحة تداول مراسلات ولقاءات له مع جيفري إبستين، لتصبح محل نقاش وتشكيك واسع. وهكذا دفعت صدمة كوفيد-19 كثيرين إلى إعادة تفسير التحذيرات السابقة في ضوء التجربة التي عاشها العالم.
وقبل عام 2020، كانت عناصر الأزمة قد تجمعت: الخوف من الأوبئة، وضعف الثقة، والصراع حول المعلومات، والاستعداد العلمي الذي قد يُفهم خارج سياقه.
لكن الأزمة القادمة كانت مختلفة؛ فلم يعد الأمر يتعلق بمرض محدود الانتشار، بل بفيروس شل حركة العالم، وحوّل اللقاح من إنجاز طبي إلى ورقة نفوذ سياسي.