السوشيال ميديا بين الوعي والمسئولية

27-7-2026 | 15:12

في عالم يجري على قدم وساق، وتتسابق فيه الأمم والدول لبناء قدراتها التي تؤهلها للمكانة اللائقة بمسمى "الدولة"، بما يشمل بناءً اقتصاديًا قويًا، وتطويرًا مستمرًا للمؤسسات، والنظر المترقب بالجدية والحرص والعزائم نحو المستقبل، بتأهيل الأجيال، فإن لهذا المستقبل معاركَ لم تعد تُخاض فقط بميادين الاقتصاد والسياسة والأمن، بل إن هناك ساحات أكثر خطورةً واتساعًا، في مقدمة هذه الساحات ساحة الوعي. تلك التي اختلفت مشاربها وقواعدها وأصولها ونوافذها، في اللحظة التي وقفت فيها وسائل التواصل الاجتماعي موقف المنافس لجميع المعطيات التي سبقتها، وقد تحولت "السوشيال ميديا" خلال سنوات معدودة من مجرد منصات للتواصل وتبادل الآراء إلى قوة هائلة لها قدرتها على التأثير في الأفراد والمجتمعات، بل ربما وصل هذا التأثير إلى توجهات دول وتحديد صورتها مجتمعيًا واقتصاديًا وسياسيًا، ومدى استقرارها من عدمه.

وهنا نتوقف أمام سؤال أو مجموعة أسئلة تطرح نفسها بقوة وإلحاح حيال هذه المنصات، وما يسمى بالسوشيال ميديا: هل هي صنيعة شيطانٍ وقوى خفية؟! هل جُعلت كوسيلة ضغط على كل مستخدم بأن يتوجه نحو نقطةٍ محددة مجبرًا دون تفكير أو فرص للاختيار؟! هل يتنصل مستخدمو وسائل التواصل من مسئولياتهم تجاه ما ينشرون وما يطالعون وما يثقون به؟!

جميعها أسئلة لا بد أن تكون حاضرة في أذهان الجميع ممن يشتبكون من خلال هذه الوسائل بقضايا مُلحّة تتماس بتاريخ وحاضر ومستقبل دولة مثل مصر، تخوض مسارًا كبيرًا من التنمية والبناء وإعادة صياغة كثير من مقومات الدولة الحديثة، إذ إن أي مشروع وطني كبير لا يحتاج فقط إلى مشروعات تُقام على الأرض، وإنما يحتاج كذلك إلى وعي يحمي هذه المشروعات ويدرك أهدافها، وإلى مجتمع قادر على التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين النقد المسئول ومحاولات التشويه، وبين الاختلاف الطبيعي والفوضى التي قد تستهدف إضعاف الثقة في مؤسسات الدولة والمجتمع.

ولعلني أتذكر حديثًا مُلهما للرئيس السيسي أشار فيه بوضوح من واقع مسئوليته ورؤيته الأشمل إلى تلك المسئولية ليس فقط في استخدام وسائل التواصل و"السوشيال ميديا" وتطبيقات المعلوماتية بالهاتف المحمول، ولكن في طرق التعامل وفهم هذه الخطورة التي تجعل أي مكان في العالم مُتاحًا للآخرين في زمن قياسي، ومن ثم يكون الوعي بهذا الاستخدام ضرورةً لا رفاهًا، قال الرئيس وقتها "لازم نفهم إن كل الحاجات دي كمان بقت تستخدم كسلاح يوجه ليك، لخفض روحك المعنوية، لنشر الشائعات، لتفكيك الإرادة والتضامن والصلابة من خلال كلام كتير جدًا جدًا"، وقال كذلك "رهاني في الموضوع دا على وعي المصريين إللي بيزداد كل يوم عن يوم، واللي بتأكده التصرفات وردود أفعال كل الناس مع الأحداث والقضايا إللي بتمر بينا، ولكن أنا بس حبيت أفكركم، وأفكر كل اللي بيسمعني إن مش كل اللي بتشوفوه وبتسمعوه تصدقوه، وكمان تتحركوا وراه".

وربما نطالع في تلك الكلمات روشتة مكثفة لعلاج الخلل في فهم "السوشيال ميديا" كسلاح ذي حدين، إيجابي وسلبي، لذلك سنعود دائمًا إلى أن الأساس هو الاستخدام وطريقة التعامل مع هذه الوسائل، التي بالفعل منحت الإنسان قدرة غير مسبوقة على التعبير والوصول إلى المعلومات والتفاعل مع الأحداث، لكنها في الوقت نفسه أوجدت بيئة شديدة التعقيد، أصبح فيها الخبر أسرع من التحقق، والانطباع أقوى أحيانًا من الحقيقة، والشائعة أكثر قدرة على الانتشار من التصحيح. فالمعلومة الكاذبة تستطيع في دقائق أن تصل إلى ملايين الأشخاص، بينما قد تحتاج الحقيقة إلى وقت طويل حتى تلحق بها، وقد لا تنجح في إزالة آثارها بالكامل بعد أن تكون قد تركت أثرها في النفوس والعقول.

وهنا تكمن واحدة من أخطر مشكلات العصر الرقمي، فالسوشيال ميديا لا تنقل الواقع فقط، وإنما تستطيع أحيانًا أن تصنع واقعًا موازيًا، يتشكل من مقاطع مبتورة، وصور قديمة، وعناوين مثيرة، ومعلومات غير مكتملة، وتعليقات انفعالية، ثم تتحول هذه العناصر مجتمعة إلى سردية يتعامل معها البعض باعتبارها حقيقة مكتملة، ومع تكرار الرسالة وانتشارها، يصبح من الصعب على المواطن العادي أن يميز بين ما هو حقيقي وما هو مفبرك، خصوصًا عندما تأتي المعلومات في صورة جذابة ومؤثرة وتخاطب مشاعره قبل عقله. 

ولا تقف مخاطر هذه المنصات عند حدود الشائعات، وإنما تمتد إلى التأثير في منظومة القيم الاجتماعية، وإلى انتشار خطاب الكراهية والتنمر والتشهير، وإلى انتهاك الخصوصية، واستغلال الأطفال والشباب، ونشر محتوى يهدد السلم المجتمعي ويؤثر في الصحة النفسية والعلاقات الإنسانية. كما أن الاستخدام المفرط لها قد يؤدي إلى حالة من العزلة الاجتماعية، وإلى إدمان التصفح، وإهدار الوقت، والانشغال الدائم بعالم افتراضي قد يبتعد في كثير من الأحيان عن الواقع الحقيقي ومتطلباته.

والأخطر من ذلك أن المجتمعات التي تفتقر إلى الوعي الإعلامي والرقمي تصبح أكثر قابلية للتأثر بالمحتوى المضلل؛ لأن المعركة لم تعد تدور فقط حول امتلاك المعلومة، وإنما حول القدرة على فهم مصدرها، ومعرفة دوافع نشرها، والتحقق من صحتها، وإدراك السياق الذي جاءت فيه، ولذلك فإن بناء المواطن القادر على التفكير النقدي أصبح ضرورة لا تقل أهمية عن بناء الطرق والمدن والمؤسسات؛ لأن الوعي في العصر الرقمي يمثل أحد أهم عناصر الأمن المجتمعي والوطني.

إن النظر إلى السوشيال ميديا باعتبارها شرًا مطلقًا خطأ  قد لا يقل خطورة عن تجاهل مخاطرها، لامتلاكها جوانب إيجابية هائلة يمكن توظيفها لخدمة المجتمع والدولة، فهي وسيلة سريعة لنشر المعرفة، ومنصة للتعليم والتثقيف، وأداة للتواصل بين المؤسسات والمواطنين، ومساحة لعرض المواهب والأفكار والمبادرات، ونافذة للتعريف بالمشروعات والإنجازات، ووسيلة للوصول إلى فئات واسعة من الجمهور، خصوصًا الشباب، لذلك فإن القضية هنا ليست في إلغاء السوشيال ميديا أو الانعزال عنها، كما سلكت بعض الدول حول العالم، لكن الأمر مترسخٌ في بناء ثقافة جديدة للاستخدام المسئول، والمطلوب حقًا هو أن يتحول المواطن من مستهلك سلبي للمحتوى إلى مستخدم واعٍ، يعرف أن كل ما يراه على شاشة هاتفه ليس بالضرورة حقيقة، وأن مشاركة منشور أو مقطع مجهول المصدر قد تسهم في نشر ضرر لا يمكن التراجع عنه بسهولة، وهذا يتطلب نشر مفهوم "المواطنة الرقمية"، وتعليم الأجيال الجديدة قواعد التعامل الآمن والمسئول مع الفضاء الإلكتروني، وفي السياق تبرز أهمية التشريعات والقوانين التي تنظم استخدام الفضاء الرقمي وتحمي المجتمع من الجرائم الإلكترونية، والتشهير، وانتهاك الخصوصية، والابتزاز، والتحريض، ونشر الأخبار الكاذبة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الاستخدام المشروع للتكنولوجيا وحرية التعبير التي يقرها القانون. 

فالقانون لا ينبغي أن يكون أداة لتقييد التكنولوجيا، وإنما وسيلة لضبط استخدامها وحماية الحقوق والحريات ومنع تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة للفوضى أو الاعتداء على حقوق الآخرين.

لكن هل التشريع وحده لا يكفي؟ لعلنا ندرك أن القوانين مهما بلغت من القوة لا تقوى وحدها على مجابهة ملايين المنشورات والمقاطع التي تتدفق كل يوم، لذلك إذا كان الوعي هو المحك، فإن مسئولية التوعية لا بد أن تكون في مرمى الشراكة بين الأسرة والمدرسة والمواقع الثقافية والجامعة والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني، ومسئولية الإعلام الذي لم يكن في يومٍ من الأيام ترفًا أو شيئًا زائدًا على الحاجة، بل لم يكن مجرد نافذة متحركة أو موجهة تنظر منها المجتمعات على الوقائع وتطالع الأحداث والأخبار والمستجدات، فربما كان ذلك تعريفًا مُخلًا، أو إطارًا شكليًا، يكتمل جوهره باعتبار "الإعلام" أحد الأعمدة التي تستند إليها الدول في بناء حاضرها وصياغة مستقبلها، وأحد أهم الأدوات التي تستطيع بها الأمم أن تحمي وعي شعوبها، وتشرح واقعها، وتواجه التحديات التي تحيط بها، وتفتح أمام مواطنيها الطريق إلى فهم أعمق لما يجري حولهم، لذا فإن المؤسسات الإعلامية مطالبة بأن تكون أكثر حضورًا في الفضاء الرقمي؛ لأن غياب المعلومة الموثوقة يترك فراغًا تملؤه مصادر مجهولة أو غير مسئولة، وكلما كانت المؤسسات الرسمية والإعلامية أسرع في تقديم المعلومات الدقيقة، وأكثر قدرة على التواصل مع الجمهور بلغة واضحة وعصرية، تراجعت مساحة الشائعة، وأصبح المواطن أكثر قدرة على الوصول إلى الحقيقة من مصدرها.

إن مصر، وهي تبني دولة جديدة وتخوض سباقًا تنمويًا في منطقة وعالم شديدي التنافس، تحتاج إلى مجتمع متماسك وواعٍ، يعرف كيف يستخدم أدوات العصر لصالحه، ولا يسمح بأن تتحول التكنولوجيا من وسيلة للتقدم إلى أداة للانقسام والإحباط، والسوشيال ميديا يمكن أن تكون جسرًا للمعرفة والتنمية والتواصل، كما يمكن أن تصبح منصة للفوضى إذا غاب الوعي وغابت المسئولية.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: