هل غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي العالم؟ لم يعد هذا هو السؤال المطروح اليوم، فالإجابة واضحة منذ سنوات.. لقد غيرت هذه المنصات طريقة تواصلنا، وطريقة معرفتنا بالأحداث، وطريقة رؤيتنا لأنفسنا وللآخرين. أما السؤال الأكثر إلحاحًا، فهو هل امتلكنا القدرة على إدارة هذا التحول؟ أم سمحنا للسوشيال ميديا بأن تعيد تشكيل حياتنا وقيمنا وعلاقاتنا دون أن ننتبه؟
قبل عقدين فقط، كانت وسائل الإعلام تقوم بالدور الأكبر في نقل الخبر وصناعة النقاش العام، أما اليوم ومع تفشي التكنولوجيا أصبح هذا الجهاز العجيب الذي نحمله كل يوم نافذة مفتوحة على العالم، ومنصة يستطيع من خلالها كل إنسان أن يكون شاهدًا وناشرًا ومعلقًا ومؤثرًا في الوقت نفسه.. لقد منحتنا التكنولوجيا فرصة تاريخية للتعبير والمشاركة، لكنها في المقابل وضعتنا أمام مسئولية لم نكن مستعدين لها؛ مسئولية التمييز بين الحقيقة والوهم، الحرية والفوضى، حق الإنسان في التعبير وحق المجتمع في الحماية.
التكنولوجيا في ذاتها ليست خيرًا أو شرًا، فهي مرآة لما نحمله نحن بداخلنا.. يمكن أن تكون طريقًا للعلم والمعرفة والتقارب، ويمكن أن تتحول إلى مساحة للخصومة والتشهير ونشر الخوف. لذلك فالمشكلة لم تكن يومًا في وجود التكنولوجيا، بل في غياب الوعي الكافي بكيفية استخدامها، وفي تأخر الأطر التي تنظم تأثيرها المتزايد على حياتنا.
لقد كشفت السنوات الأخيرة أن أخطر ما أنتجته السوشيال ميديا ليس فقط انتشار الأخبار الكاذبة، وإنما قدرتها على صناعة واقع بديل داخل عقول البشر.. فالمعلومة عندما تتكرر عشرات وآلاف المرات، وعندما تنتشر عبر حسابات مؤثرة، قد تكتسب قوة التصديق حتى لو كانت بلا دليل. وهنا يصبح الخطر أكبر من مجرد خطأ في معلومة؛ لأن الأمر يتعلق بتشكيل الوعي نفسه.
ومن هنا ظهر ما يمكن تسميته بـ"اقتصاد التضليل"، حيث أصبحت الإثارة والغضب والخوف عناصر تجذب الانتباه أكثر من الهدوء والحقيقة. فالمحتوى الذي يقسم الناس ويشعل الخلافات غالبًا ما يجد طريقه إلى الانتشار بسرعة أكبر، لأن الخوارزميات تبحث في المقام الأول عن التفاعل، لا عن الحكمة، وعن عدد المشاهدات، لا عن قيمة ما يشاهده الإنسان.
ولم يتوقف تأثير هذا العالم الرقمي عند الرأي العام، بل دخل إلى أكثر الأماكن خصوصية، وهي الأسرة -أساس النسيج المجتمعي- فالإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أدى إلى تراجع الحوار الأسري، واتساع المسافات بين أفراد الأسرة الواحدة، حتى أصبح بعض الناس يجلسون معًا بأجسادهم بينما يعيش كل منهم في عالم منفصل داخل شاشته.. وتأثرت القيم والعلاقات الاجتماعية، خاصة لدى الأطفال والشباب الذين ينشأون داخل فضاء رقمي واسع، يتعرضون فيه للمقارنة المستمرة، والتنمر الإلكتروني، وضغوط البحث عن القبول والانتباه.
وهنا لا يمكن أن تكون المواجهة مسئولية الأسرة وحدها، فالأسرة تحتاج إلى دعم المجتمع، والمدرسة تحتاج إلى أدوات جديدة، والمؤسسات الثقافية والإعلامية مطالبة بدور أكبر في نشر ثقافة الاستخدام الآمن والمسئول للتكنولوجيا. فنحن لا نحتاج إلى أجيال تخاف من التكنولوجيا، بل إلى أجيال تفهمها وتعرف حدودها.
أما على المستوى الأمني، فقد أصبحت المنصات الرقمية ساحة وصناعة تستغلها شبكات الاحتيال والابتزاز الإلكتروني، وحملات التأثير المنظمة، ونشر الشائعات، والتلاعب بالمعلومات. والأشد وطأة من ذلك أن هذه الصناعة أصبحت أقل كلفة وأكثر خطورة..
ومع التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح إنتاج صور ومقاطع صوتية ومرئية مزيفة أكثر سهولة، الأمر الذي يجعل التحقق من الحقيقة تحديًا يوميًا، ويجعل حماية المجتمع مسئولية مشتركة بين الفرد والمؤسسات والدولة.
ولهذا بدأت دول كثيرة في إعادة النظر في علاقتها بالمنصات الرقمية. فلم يعد مقبولًا أن تكون الشركات التي تؤثر في حياة مليارات البشر مجرد جهات تقنية تجني أرباحًا بالمليارات ولا تتحمل مسئولية اجتماعية أو قانونية. فكلما اتسع التأثير اتسعت المسئولية.. وقد اتجهت دول عديدة إلى وضع أطر قانونية جديدة تلزم منصات السوشيال ميديا بمزيد من الشفافية، وتحمي الأطفال، وتواجه المحتوى غير القانوني، وتضع حدودًا واضحة بين حرية التعبير والفوضى الرقمية.
وفي مصر، ورغم وجود خطوات تشريعية مهمة من خلال قوانين مكافحة جرائم تقنية المعلومات وتنظيم الصحافة والإعلام، فإن التطورات المتلاحقة في عالم التكنولوجيا تفرض سؤالًا مهمًا.. هل ما لدينا اليوم كافٍ لمواجهة تحديات الغد؟
سؤال لا يحتمل التأجيل. لقد آن الأوان لتأسيس هيئات وطنية للتصدي للتضليل، وفق نهج احترافي مدروس، وفي الوقت نفسه يفتح البرلمان بابًا واسعًا لتطوير إطار تشريعي متكامل للفضاء الرقمي، تشريعات واضحة وحاسمة ومرنة، تحمي المواطن من مخاطر الابتزاز والتشهير وانتهاك الخصوصية والتضليل، وتحمي الأطفال والشباب من الاستخدامات الضارة، وتحدد مسئوليات المنصات الرقمية بما يتناسب مع حجم تأثيرها، دون أن تمس حق الإنسان في التعبير المسئول.
الفضاء الرقمي يتغير كل يوم، ومن يترك قوانينه جامدة أمام الحراك التكنولوجي المتسارع، يترك مجتمعه مكشوفًا أمام مخاطر لا تنتظر. فالمخاطر الرقمية لا تمنح المجتمعات مهلة للاستعداد، بل تتسلل إلى الفراغات التي يتركها التباطؤ والتردد.
نحن بحاجة إلى قوانين لا تأتي بعد وقوع الضرر، بل تستبق الخطر، قوانين تحمي الإنسان قبل أن تحاسب المخطئ، وتوازن بين الحرية والمسئولية.
لكن مهما كانت قوة التشريعات، فلن يكون القانون وحده قادرًا على إنقاذ النسيج المجتمعي من سوء استخدام التكنولوجيا. فالمعركة الحقيقية تبدأ من الوعي. تبدأ من أب وأم يستعيدان الحوار مع أبنائهما، ومن مدرسة تعلم أبناءها كيف يفكرون لا ماذا يصدقون، ومن مجتمع يدرك أن الشاشة ليست عدوًا، لكنها ليست بديلًا عن الحياة.
كما أن شركات التكنولوجيا نفسها مطالبة بأن تدرك أن وراء كل شاشة إنسانًا، ووراء كل رقم مستخدم حياة ومشاعر وأسرة. فالمنصات التي تمتلك قدرة هائلة على توجيه ما يراه الناس وما يتفاعلون معه، يجب أن تتحمل مسئولية أخلاقية وقانونية تتناسب مع هذا النفوذ.
لقد أصبحت السوشيال ميديا جزءًا من واقعنا، ولم يعد السؤال كيف نهرب منها، فهذا مستحيل، بل كيف نعيش معها دون أن تفقدنا أنفسنا؟
إن المستقبل لن يكون للأكثر قدرة على صناعة أدوات الذكاء الاصطناعي فقط، بل للأكثر قدرة على وضع القواعد التي تحفظ بها إنسانيته. وفي عصر أصبحت فيه المعلومات قوة، وأصبحت فيه الشاشات تؤثر في العقول والقلوب، لم يعد الأمن الرقمي والثقافة الإعلامية والتشريع العصري رفاهية، بل أصبحت من مقومات حماية المجتمع، وصيانة الأسرة، وبناء مستقبل أكثر وعيًا.. فقد حان وقت التشريع.