كانت الشهرة قديمًا تُولد من كتابٍ يُقرأ، أو بحثٍ يُناقش، أو اختراعٍ يغيّر حياة الناس، أو عملٍ فني يبقى في الذاكرة.
أما اليوم، فقد وُلد اقتصادٌ جديد... يمكن أن نسميه "اقتصاد الصدمة".
في هذا الاقتصاد، لا تُقاس قيمة المحتوى بعمقه، وإنما بقدرته على إحداث الضجيج.
فالمنصات الرقمية لا تميز بين من أثار الإعجاب ومن أثار الاستنكار، بل تنظر إلى شيء واحد فقط: كم شخصًا شاهد؟ وكم شخصًا علّق؟ وكم مرةً شارك المحتوى؟
وهنا تبدأ الدائرة الخطيرة.
في البداية تكون الإثارة بسيطة...
ثم يعتادها الجمهور.
فتصبح غير كافية.
فيضطر صاحب المحتوى إلى رفع سقف الصدمة.
ثم يرفعها مرةً أخرى.
ثم مرةً ثالثة.
حتى يصبح أسيرًا لجمهورٍ لا يشبع، وخوارزميةٍ لا تكافئ إلا الأكثر إثارة.
عندها لا يعود الهدف تقديم فكرة...
بل صناعة جدل.
ولا يصبح النجاح هو احترام الناس...
بل استحواذ الانتباه، ولو للحظات.
ومن هنا نفهم كيف قد يتحول بعض الأشخاص من حياةٍ هادئة، وصورةٍ اجتماعيةٍ مستقرة، إلى سلوكياتٍ يراها كثيرون صادمة أو مستفزة. وليس بالضرورة لأن القيم تغيرت فجأة، بل لأن سوق الشهرة نفسه تغيّر، وأصبح يكافئ كل ما يلفت الأنظار.
لكن المشكلة أن الصدمة مثل المخدر...
جرعة الأمس لا تكفي اليوم.
فما كان يحقق مليون مشاهدة بالأمس، يحتاج غدًا إلى صدمةٍ أكبر.
وهكذا يدخل الإنسان سباقًا لا خط نهاية له.
وقد يدفع الثمن من سمعته، وعلاقاته، واحترام الناس له، وربما حتى من استقراره الأسري والاجتماعي.
والأخطر من ذلك أن بعض الشباب قد يظنون أن هذا هو الطريق الطبيعي إلى النجاح، فيخلطون بين الشهرة والقيمة، وبين الانتشار والاحترام، وبين الترند والإنجاز.
والحقيقة أن التاريخ لا يتذكر أصحاب الضجيج طويلًا، وإنما يتذكر أصحاب الأثر.
فالضجيج يلفت الأنظار...
أما الفكر فيغيّر العقول.
والجسد قد يجذب المتابعين...
أما الأخلاق والعلم فيصنعان الخلود.
ولهذا، فإن أخطر ما أفرزه عصر التواصل ليس مجرد انتشار المحتوى الصادم، بل تحويل الصدمة نفسها إلى سلعة، والانتباه إلى عملة، والترند إلى تجارة، حتى أصبح بعض الناس يبيعون خصوصيتهم، أو كرامتهم، أو قيمهم، مقابل دقائق قليلة من الشهرة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحدٍ منا على نفسه:
هل أريد أن يعرفني الناس لأنني أحدثت ضجة... أم لأنني تركت أثرًا؟