بما أن الحكومة قررت إنهاء علاقتها مع صندوق النقد، والتوجه نحو برنامج اقتصادي وطني نابع من الظروف الاقتصادية والاجتماعية لمصر، ومعبرٌ عن حقيقة الموارد المتوافرة، وقبل كل ذلك يرتكز على حصاد سنوات الإصلاح التي شهدت إعادة هيكلة شاملة لمكونات الاقتصاد تسمح له بانطلاقة جديدة، فإن من حق المواطن أن يتوقع برنامجًا وطنيًا رحيمًا وسياسة اقتصادية تجلب الرخاء وتطرد الغلاء بعد سنوات صعبة تحمل فيها أعباءً تفوق طاقته وتجاوزت حدود إمكانياته!!
ولا أقل من مكافأة له في برنامج مصري خالص يحقق له العيش الكريم، ويخفف أعباءً لم تعد قابلة للتحمل وتداعيات أزمة مالية آن لها أن ترحل.
قرار الحكومة بعدم الدخول في اتفاق جديد مع صندوق النقد يعني أن الاقتصاد المصري بات يمتلك أدوات التطور دون مساندة خارجية، ولديه القدرة على النمو بدون وصفات الصندوق، وهي تمثل في حد ذاتها رسالة طمأنة وضمانة قوية تدخل بها الحكومة مرحلة ما بعد الصندوق؛ وهي تمتلك أوراق قوة توفر لها رؤية واضحة في صياغة برنامج وطني يحقق ما لم يتحقق من برنامج صندوق النقد الذي يوصف بأنه "دواء مرّ" لآثاره المجتمعية وتداعياته السلبية على الفئات الأقل دخلًا، بل ومتوسطي الدخل.
في تقديري أن المبادئ العامة الحاكمة للبرنامج الجديد ومحوره الأساسي يجب أن يكون المواطن، وتحسين حياته المعيشية في قلبها وفي مقدمة مستهدفاتها، كما يجب أن يكون محدود الزمن والأهداف حتى يحظى بدعم ومساندة المواطن؛ فالنجاح مرهون بكسب ثقة الشعب، وإقناعهم بأن الاقتصاد يسير على الطريق الصحيح، وأن الغد أفضل من اليوم، وقد أحسنت الحكومة صنعًا بتعهدها طرح البرنامج الجديد للحوار المجتمعي وتضمينه رؤى الخبراء والمختصين وهي كلها ضمانات توفر عوامل النجاح لهذا البرنامج الوطني.
المؤكد أن طريق الإصلاح لا يتوقف عند مرحلة معينة؛ فهو عملية ديناميكية تحكمها النتائج وتطور حياة الناس، وتحسن أحوالهم..
والحقيقة مصر لديها من الموارد والإمكانيات ما يؤهلها لأن تكون دولة قوية اقتصاديًا؛ لذا فإن الرهان على البرنامج الجديد يعد مضمون النتائج والمستهدفات؛ إذا ما تم تصميمه وفق أسس واضحة، ومعايير دقيقة تأخذ في الاعتبار تعظيم ما تحقق من مكتسبات، ومعالجة ما رشح من اختلالات هيكلية في مكونات وازنة في مسيرة الاقتصاد الوطني.
البرنامج الوطني الجديد ينبغي أن يتبنى رؤية جديدة لإعادة هيكلة الاقتصاد ترتكز إلى استغلال الموارد الذاتية وإيجاد قنوات تمويل تحد من الاعتماد على الاقتراض من الخارج، وقبل كل ذلك يجب أن يتبنى البرنامج الجديد رؤية وطنية لزيادة الإنتاج وتحسين جودته، فلا تقدم دون إنتاج محلي بجودة عالمية وقابل للتصدير.
ولنا في تجارب الدول الناجحة المثل والقدوة؛ فكل هذه التجارب اعتمدت على الاستثمار من أجل التصدير وتحقيق مستهدفات التنمية..
ومن المفارقات التي يمكن التذكير بها أن مصر كانت لها تجربة رائدة في الصناعة خلال فترة الستينيات، إلا أنها لم تكتمل لأسباب غير واضحة، ويكفي الإشارة إلى أن مصر سبقت اليابان في صناعة السيارات، وكانت تستقبل وفودًا أجنبية من دول شرق آسيا للتعرف على سر نجاح هذه التجربة.. ويكفي الإشارة أيضًا إلى أن معدل النمو في مصر كان يسبق دول جنوب شرق آسيا؛ مثل سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا؛ بل كان الجنيه المصري يساوي ٣ دولارات، ويشتري ٧ جرامات ذهب!!
إذن مصر تستطيع أن تقدم تجربة جديدة وناجحة وتستعيد تاريخها الاقتصادي الضائع؛ فهي أصبحت تمتلك مقومات دولة كبرى بقدرات شاملة، والطريق إلى النجاح بات سهلًا بعد تنفيذ أكبر وأحدث شبكة مرافق وبنية تحتية في العالم؛ وهي من أهم مقومات الاستثمار والإنتاج وأساس أي تحول ناجح نحو التنمية المستدامة.
ومن هذا المنطلق، فإن البرنامج الجديد يجب أن يتعاطى مع ملف الصناعة بجدية ومنح الصناع أكبر حوافز ومزايا في المنطقة وفتح المجال أمام المشروعات الصناعية الصغيرة التي تعد قاطرة التنمية الصناعية من خلال إيجاد حلول ناجزة للمشكلات التي تعوق تقدمها سواء في التمويل أو التأسيس أو التسويق، فلا شك أن التقدم في ملف الصناعة والتصدير يعني بمعنى الكلمة الحل الجذري بل السحري للعديد من الأزمات في مصر وفي مقدمتها البطالة عبر زيادة فرص العمل بهذا القطاع الواعد، ثم أزمة ارتفاع سعر العملة الأجنبية عبر خفض الواردات وتوفير فرصة دعم للجنيه المصري مقابل تراجع الدولار، وبالتالي تخفيض أسعار السلع بالأسواق، وقبل كل ذلك تحقيق الأمن الغذائي للدولة الذي يعد جزءًا أساسيًا من أمنها القومي.
البرنامج الوطني الجديد ينبغي أيضًا أن يتعامل مع قضية الديون بحزم وجدية عبر حلول واقعية تقلل حجم الدين خلال فترة زمنية واضحة تلتزم بها الحكومة في ظل حلول غير تقليدية توفر للموازنة فرص تحويل نسبة معقولة لتحسين حياة المواطنين، بدلاً من توجيه النسبة الأكبر لسداد فوائد هذه الديون، وأعتقد أن هناك حلولًا غير تقليدية مطروحة للنقاش في هذا المجال يمكن أن تقدم حلولًا لمعالجة هذه الأزمة.
نتوقع أيضًا في البرنامج الجديد إعلانًا صريحًا وواضحًا لا لبس فيه عن تخارج الحكومة من الاقتصاد وتكتفي بدور الرقيب للسوق، وهو دور مهم وأساسي لتخفيف الأعباء عن المواطن؛ حيث ينبغي تفعيل الرقابة الحكومية على الأسواق لمواجهة الممارسات والجشع التجاري الذي اتخذ من رفع الأسعار والمغالاة وسيلة للتربح على حساب المستهلك، خصوصًا وأن الغلاء طال سلعًا منتجة في مصر وليست مستوردة، مما يقتضي تدخلًا حاسمًا لحماية المواطنين.
ربما يتبادر إلى تفكير أحدنا سؤالٌ منطقيٌ.. هل الحكومة لا تعرف هذا الكلام؟ الإجابة: يقينا إنها تعرف ومؤكد أنها تدرك أن هذا هو الطريق الوحيد للإصلاح والخروج من دوامة الأزمات، لكن الحاجة قائمة لتطوير السياسات والتغلب على العقبات البيروقراطية المزمنة في بعض أجهزة الجهاز الحكومي.
وأنا أزعم أنني أتابع الملف الاقتصادي منذ تسعينيات القرن الماضي، وسافرت مع وفود حكومية للاطلاع على تجارب دولية كثيرة، ولا تزال هي نفس القضايا التي نتحدث فيها ونكتب عنها، ولو عدنا إلى أرشيف الصحف منذ عشرات السنوات ستجد أخبارًا بعناوين مميزة تتناول نفس التحديات، وكأن الزمن توقف في مصر عند هذه الملفات والأزمات؛ فقد تجد خبرًا يتناول الصناعة مثل "خطة جديدة لتطوير الصناعة"، أو "إستراتيجية لزيادة الصادرات المصرية".. لكن المحصلة نتائج تحتاج إلى مزيد من الدفع لتلبي الطموحات وتليق بحجم الإمكانيات.
وتظل الحقيقة أننا بحاجة إلى الانطلاق بعيدًا عن الاستثمارات والصادرات المحدودة لتحقيق المستهدفات الكاملة، بينما في قلب هذه الصورة مواطن يتحمل أعباء الغلاء ينتظر من الحكومات المتعاقبة حلولًا ناجزة ورؤية تلامس تطلعاته.
.. فهل تفعلها حكومة مدبولي وتستجيب لتطلعات المواطن، وتقر برنامجًا رحيمًا هذه المرة؟
[email protected]