معرض مكتبة الإسكندرية يعيد صياغة المشهد الثقافي العربي

26-7-2026 | 17:48

في قلب العاصمة الثقافية والتاريخية لمصر، وعلى ضفاف البحر الأبيض المتوسط، اختتمت مكتبة الإسكندرية فعاليات دورتها الحادية والعشرين لمعرضها الدولي للكتاب؛ الحدث الذي لم يعد مجرد سوق سنوية لبيع الكتب وتبادل العناوين، بل تحول عبر السنوات إلى تظاهرة فكرية وثقافية كبرى تصوغ الوعي العربي وتفتح آفاق الحوار الفكري الحر. في هذه الدورة الاستثنائية، أكدت المكتبة مجدداً على دورها الريادي بوصفها مركزاً للتميز في إنتاج ونشر المعرفة، ومنارة تجمع تحت سقفها التنوع الفكري والإنساني في أبهى صوره. ولم يكن المشهد داخل أروقة المعرض عادياً؛ فالزخم الذي شهدته قاعات المكتبة ومراكزها المختلفة عكس ظمأً حقيقياً لدى الجمهور بمختلف فئاته نحو المعرفة الرصينة والفن الرفيع. على مدار أسبوعين متواصلين، تحولت الإسكندرية إلى بوصلة للمثقفين والمفكرين والمبدعين، وسط تنظيم دقيق نجح في استيعاب طاقة بشرية وفكرية هائلة، ليقدم نموذجاً ملهماً لكيفية إدارة الفعاليات الثقافية الدولية باحترافية تليق باسم مصر ومكانة المكتبة التاريخية.

والسمة الأبرز التي ميزت هذه الدورة وجعلت منها علامة فارقة، هي البرنامج الثقافي المصاحب للمعرض، والذي لم يكن مجرد أنشطة هامشية، بل كان "القلب النابض" للحدث بأكمله، ومحركاً رئيسياً لهندسة الوعي وتنمية العقول. فقد نجحت إدارة المعرض في تنظيم وتنسيق ما يزيد على 400 حدث ثقافي وفني واجتماعي وديني على مدار أيام المعرض الأربعة عشر والتي امتدت لثلاثة أيام أخرى نظرا للإقبال الجماهيري الكبير، في تمازج فريد سعى لتلبية تطلعات واهتمامات الجمهور المتنوع. وتنوعت الأنشطة بين الندوات الفكرية المعمقة التي ناقشت قضايا التجديد وأثر التكنولوجيا على القراءة، والمحاضرات التوعوية، وورش العمل التفاعلية، والأمسيات الشعرية، والعروض الفنية والمسرحية. وقد تميز هذا البرنامج بقدرته العالية على الربط بين قضايا الهوية التراثية وبين تحديات العصر الرقمي الحديث، مزوداً رواد المعرض بكل ما هو نافع ومستجد، مع التركيز على الفعاليات الاجتماعية والثقافية التي رسخت قيم التسامح والتماسك المجتمعي، والأنشطة الفنية التي أعادت الروح لخشبة المسرح وقاعات الفنون، مؤكدة أن الثقافة والفن وجهان لعملة واحدة في بناء الإنسان.

ولا يمكن لبرنامج ثقافي بهذا الحجم أن يكتب له النجاح دون وجود عقول وازنة تقوده؛ وهنا برزت القوة الناعمة للمعرض من خلال مشاركة أكثر من 1000 متحدث بارز من صفوة العلماء، المفكرين، الكتاب، الإعلاميين، والفنانين، والأكاديميين فضلاً عن رجال الدين والخبراء في مجالات التنمية والإدارة والتكنولوجيا. هذا الحشد النخبوي حول قاعات النقاش إلى خلايا نحل فكرية، وكان لافتاً حرص المتحدثين على تقديم أطروحات عملية تهم المواطن وصناع القرار على حد سواء. ولم يقتصر الأمر على إلقاء المحاضرات، بل فُتحت أبواب نقاشات تفاعلية مباشرة مع الجمهور، وبخاصة الشباب والجيل الجديد، مما ساهم في تزويد الحاضرين بأدوات التفكير النقدي، وأشعل شغف المعرفة والبحث، محققاً الهدف الأسمى للمكتبة وهو تشجيع وتنمية العقول وتنويرها بالحقائق والمعارف.

وبالتوازي مع هذا الزخم الفكري، قدمت دور النشر المشاركة، المصرية والعربية والدولية، وجبة معرفية دسمة ومتكاملة؛ حيث تزينت الأجنحة بآلاف العناوين التي شملت مجالات العلوم والآداب، الفلسفة، التاريخ، وأدب الأطفال، إلى جانب الموسوعات والدوريات والكتالوجات المتنوعة في موضوعاتها. وقد أثبتت المكتبة من خلال تنظيم الأجنحة وإتاحة المساحات لشتى المدارس الفكرية ودور النشر، أنها تقف على مسافة واحدة من الإبداع الإنساني، وتدعم بقوة صناعة النشر والكتاب باعتبارها الركيزة الأساسية لنقل المعرفة عبر الأجيال، وشهدت أروقة المعرض إقبالاً جماهيرياً كبيراً عكس وعي المجتمع السكندري والمصري بأهمية الكتاب كصديق لا يغيب ومصدر أصيل للمعلومة الموثوقة.

وراء هذا النجاح الباهر في كواليس المعرض قصة نجاح تدار باقتدار؛ حيث تستحق إدارة مكتبة الإسكندرية وجميع القائمين على تنظيم هذا المحفل الثقافي كل الإشادة والتقدير. إن إدارة حدث يمتد لأسبوعين، ويضم هذا العدد الضخم من الفعاليات والمتحدثين، بالإضافة إلى مئات العارضين وآلاف الزوار يومياً، يتطلب رؤية استراتيجية ثاقبة، وتخطيطاً لوجستياً دقيقاً، وهو ما تجلى بوضوح في سلاسة الحركة، والانضباط العالي، والتنسيق الفائق بين مختلف القطاعات داخل المكتبة. نجح فريق العمل، من قطاعات العلاقات الخارجية والإعلام، والأمن، والتواصل الثقافي، والبحث الأكاديمي، والهندسي، وقطاع المكتبات بالإضافة الى المتطوعين، في تقديم صورة حضارية مشرفة تليق بمكانة مصر الدولية، حيث واصلت طواقم العمل الليل بالنهار لضمان خروج كل ندوة أو ورشة عمل بأفضل مستوى تنظيمي، مع توفير كافة سبل الراحة والترحيب بضيوف الإسكندرية، مما يثبت أن مكتبة الإسكندرية تملك الكفاءات البشرية المتميزة القادرة على صناعة المحتوى الثقافي وملاحقة التطورات التكنولوجية الحديثة.  

مع إسدال الستار على الدورة الحادية والعشرين لمعرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب، تظل الآثار الفكرية والثقافية لهذه الدورة محفورة في عقول زوارها، فقد أثبتت المكتبة مرة أخرى أنها ليست مجرد مستودع للكتب، بل هي كائن حي يتفاعل مع قضايا مجتمعه وأمته، يصنع الوعي، ويرعى التنوير، ويواجه الفكر المتطرف بالثقافة والفن والكلمة الطيبة. إن هذا النجاح الكبير يضع على عاتق المكتبة مسئولية مستمرة لمواصلة رحلتها الريادية، ويجعلنا نتطلع بشغف وفخر إلى دورتها القادمة، لتظل الإسكندرية دائماً، وكما كانت عبر التاريخ، عاصمة للثقافة ومنارة للفكر والتنوير.

كلمات البحث