"لا تكن أحمق.. تذكر خيرون"!

26-7-2026 | 17:45

في مثل هذا اليوم منذ عقدين بالتمام والكمال (26 يوليو 2006)، كنت أقضي اليوم الأخير من مهمتي الصحفية الأولى بجمهورية كوبا، وأتابع -وقتها عن قرب عبر الشاشة- الاحتفال بالمناسبة الوطنية الأبرز لانطلاق الشرارة الأولى للثورة الكوبية. 

فجأة، وفي أثناء إلقاء قائد الثورة، فيدل كاسترو، خطابه المعتاد، والمنقول على الهواء مباشرة، ظهر ارتباك طارئ، وانقطع البث، وبعد أقل من دقيقة، عاد الزعيم فيدل جالسًا على كرسي، مُطمئنًا شعبه. ليصبح آخر ظهور خطابي حاشد له، بعد خضوعه لعملية جراحية، وليجري بعد أيام انتقال مؤقت للسلطة إلى شقيقه راؤول.

في أثناء زيارتي -تلك- لكوبا، التي استمرت 10 أيام وبعد انتهائها، كتبت سلسلة من التحقيقات الصحفية الميدانية، نشرتها الأهرام الغراء بعنوان "كوبا كاسترو بلد المفارقات.. إلى أين؟"، أشرت في ثناياها إلى أن الجزيرة الكاريبية تمر بمرحلة فارقة، وهو ما اعتبره كثيرون، وقتها، بداية لمرحلة أخيرة من حكم آل كاسترو.

التحقيق الثاني المنشور بتاريخ 9 أغسطس 2006، احتوت مقدمته على سرد "نكتة"، لخصت -وقتها- الأوضاع، في آخر قلاع الشيوعية بنصف الكرة الغربي.

تقول النكتة ذات المفارقات العجيبة: "إن عميلا للمخابرات المركزية الأمريكية، سي أي إيه، نصح إدارته بعدم التدخل في الشئون الكوبية، وذلك بعد بحث استغرق منه عدة أشهر، أمضاها متسللا إلى الجزيرة الكاريبية. 

وورد في التقرير -الذي أعده العميل المزعوم- عددٌ من المفارقات، أهمها ما يلي: أن كوبا لا يتوافر فيها ما تحتاجه من البنزين، ومع ذلك، السيارات لا تتوقف عن الحركة، لا توجد فلوس كافية، ومع ذلك، يرتدي الكوبيون الملابس، لا تتوافر الاحتياجات الضرورية من الأطعمة، ومع ذلك، يحقق اللاعبون الكوبيون المراكز الأولى في البطولات، لا تتوقف الانتقادات للحكومة والنظام، ومع ذلك، يحب الشعب الكوبي زعيمه "فيدل".

قصدت العودة إلى سرد مشاهداتي الميدانية، وما كتبته في الأهرام حول الظروف والأوضاع الصعبة، التي كانت تمر بها كوبا منذ عقدين، وهي -في الحقيقة- كان قد جرى فرضها منذ أربعة عقود سابقة، من جانب الجارة الأمريكية القوية والمفترية.

اليوم، تمر كوبا بظروف وأوضاع معيشية أكثر قسوة، ومعاناة لا توصف لشعبها المكافح والصامد، بل لا تتوقف التقارير عن نقل بشاعتها عبر الميديا المسموعة والمرئية والمقروءة، ومؤكد أن المعاناة أضعاف ما شاهدته في أول زيارة (يوليو عام 2006) وكذلك، عن مشاهداتي في أثناء الزيارتين التاليتين (2023-2025).

فسياسة الحصار الخانقة -التي تمارسها واشنطن ضد هافانا- تتمثل حاليًا في حرمان شعب الجزيرة الكاريبية من الكهرباء والوقود والأدوية والغذاء، على نحو يمكن وصفه بالإبادة الجماعية، مع وضع السيناريوهات للإطاحة بالنظام، أو إخضاعه.

في السابق، تنبأ مسئولون في واشنطن بنهاياتٍ وشيكةٍ لحكومة الثورة الكوبية منذ انتصارها في عام 1959، وهو ما لم ولن يحدث. 

فإدارة أيزنهاور كانت على يقينٍ من أن خفض حصة السكر الكوبي سيحقق النهاية. في الوقت نفسه، اعتقد كينيدي أن عملياتٍ سريةً لوكالة المخابرات، إضافةً لفرض حصارٍ اقتصاديٍ ستفي بالغرض.
أيضًا، اعتقد جونسون أن انضمام أمريكا اللاتينية وأوروبا إلى الحصار سيكون كافيًا، وقد ظن بوش الأب أن انهيار الاتحاد السوفيتي سيحقق هذا الهدف، بينما اعتقد بوش الابن أن وفاة قائد الثورة، فيدل كاسترو، ستفي بالغرض، حتى جاءت ولايتا ترامب -الأولى والثانية- متوقعًا أن خسارة النفط الفنزويلي سيحقق نهايةً للنظام الكوبي!!

التقديرات الرسمية الكوبية تشير إلى أن الخسائر المادية، الناجمة عن الحصار الأمريكي، تجاوزت 154 مليار دولار، إضافة لنحو 4.8 مليار خسائر العام الماضي. 

هنا يصبح السؤال: هل يمكن للجزيرة الكاريبية التي صمدت أمام الحصار الأمريكي لأكثر من 6 عقود أن تتجاوز واحدة من أصعب مراحلها الاقتصادية والاجتماعية؟

بحكم العشرة الممتدة لعقدين وحسب ما أعرفه عن كوبا، "فإن الوطن الحر، ذا السيادة، الكريم، والمستقل، هو وطن مقدس، من أجله، ضحت أجيال عديدة من الكوبيين بأرواحها، وتحملت كل أنواع الصعاب، واليوم لن يكون الأمر مختلفًا".  

في السابع من شهر يوليو الحالي، صدقت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 136 صوتًا مقابل 9 أصوات، على قرار يدعو إلى ضرورة إنهاء الحصار الاقتصادي والتجاري والمالي، الظالم، الذي تفرضه الولايات المتحدة منذ عام 1963.

أيضًا، وفي بيان صادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، أكد الخبراء أن محاولات تغيير النظام الدستوري لدولة كوبا، ذات السيادة، عبر التهديد والإكراه ما هي إلا صدى لممارسات الحقبة الاستعمارية، وتأتي في إطار توجه مقلق نحو سيادة قانون الغاب وانعدام الشرعية والاستخفاف بميثاق الأمم المتحدة.

أشار البيان إلى أن الإجراءات الأمريكية جزء من إستراتيجية تشمل فرض الحظر، وتصنيف كوبا كراعية للإرهاب، وحصار الوقود وفرض تدابير قسرية ضد أطراف ثالثة. ودعا واشنطن إلى وقف التهديدات وإلغاء الإجراءات القسرية الأحادية. 

في الـ 20 من يوليو الحالي، نشرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريرًا عما أسمته "التأثير التخريبي لكوبا على الولايات المتحدة"، وقد ردت الخارجية الكوبية على هذا التقرير باعتباره مجرد منشور دعائي رديء، يسعى إلى ترسيخ فكرة كاذبة، وذريعة للعقاب الظالم، والإبادة الجماعية ضد الشعب الكوبي، كما يهدف التقرير، من خلال بناء روايات واتهامات ملفقة، إلى حشد الدعم لعدوان عسكري محتمل".
أوضح بيان الخارجية الكوبية: "من النفاق أن تتهم وزارة الخارجية الأمريكية كوبا بالترويج لأنشطة تخريبية، في حين تُخصص عشرات الملايين سنويًا لتقويض النظام بكوبا، ولإثارة الجوع واليأس، وللسعي الجاد للإطاحة بالحكومة الكوبية". 

أخطر ما جاء في التقرير الأمريكي -وفقًا لما ورد في رد الخارجية الكوبية- أنه يأتي ضمن خطاب ما يُسمى بـ"الإرهاب اليساري"، وهو مفهوم جديد تسعى الحكومة الأمريكية، ولا سيما وزير خارجيتها، إلى الترويج له باعتباره العدو الجديد، لذا، يسعون إلى مهاجمة كل سمة تقدمية، أو التزام اجتماعي، أو مظهر من مظاهر اليسار داخل الولايات المتحدة وخارجها، لزيادة القمع، وإقامة نظام مكارثي جديد.

تبقى الإشارة إلى المعاني العميقة الواردة في هتافات آلاف المتظاهرين الكوبيين أمام مبنى السفارة الأمريكية في هافانا، متوجهين إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بقولهم: "لا تكن أحمق.. تذكر خيرون!"؛ في إشارة إلى محاولة الغزو الفاشلة التي نفذها منفيون كوبيون، دربتهم ومولتهم وكالة الـ سي أي إيه في خليج الخنازير عام 1961، بالقرب من شاطئ في الجزيرة الكاريبية؛ يعرف باسم "خيرون".

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة