لا تجد الأصوات العاقلة والمنطقية مكانًا لها على منصات التواصل الاجتماعي، فهذه المنصات لم تُصمم لتكافئ الاتزان، بل لتكافئ ما يجذب الانتباه ويحقق أكبر قدر من التفاعل، وأقصر الطرق إلى ذلك غالبًا تكون عبر الإثارة، سواء كانت استعراضًا أو استفزازًا أو خطابًا يثير الجدل، لذلك لا ينتصر الصوت الأكثر حكمة، بل الأكثر صخبًا، ولا ينتشر الرأي الأكثر توازنًا، بل الأكثر قدرة على إشعال الجدل.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، فمواقع التواصل لا تخلق الكراهية دائمًا، لكنها تمنحها مكبر صوت، فالمتعصب الذي كان تأثيره في الماضي لا يتجاوز دائرة أصدقائه، أصبح اليوم قادرًا بضغطة زر على الوصول إلى ملايين الأشخاص، وصاحب الحساب الباحث عن المشاهدات يعرف جيدًا أن منشورًا يدعو إلى التهدئة لن يحقق ما يحققه تعليق ساخر أو مقطع مستفز أو عنوان يوحي بأن شعبًا بأكمله يهاجم شعبًا آخر.
فمثل هذه المعارك لا يصنعها الملايين، بل تبدأ غالبًا من عشرات الحسابات فقط، يديرها أشخاص يعرفون كيف يصنعون الضجيج، وكيف يحولون لحظة غضب عابرة إلى موجة واسعة من الاستقطاب، قبل أن ينساق خلفهم آلاف، ثم مئات الآلاف، دون أن يتوقف أحدهم أو بعضهم ليسأل نفسه سؤالًا بسيطًا: هل هذا هو الواقع فعلًا؟
ولعل أوضح مثالٍ على ذلك ما شهدناه خلال الأشهر الماضية من سجال بين بعض الناشطين المصريين والمغاربة على منصات التواصل الاجتماعي، بدأت الشرارة أثناء بطولة كأس الأمم الإفريقية التي استضافها المغرب خلال الفترة ما بين 21 ديسمبر 2025 و18 يناير 2026، ثم امتدت آثارها خلال كأس العالم الأخيرة وما بعدها، رغم أن أصل الخلاف لم يكن سوى منافسة كروية طبيعية، يمكن أن يحدث مثلها بين جماهير الأهلي والزمالك في الدوري المصري على سبيل المثال.
المفارقة أن بطولة أمم إفريقيا نفسها بدأت بصورة تعكس حقيقة العلاقة بين الشعبين، فقد حظي المنتخب المصري في مدينة أغادير بدعم لافت من الجماهير المغربية، التي حضرت بكثافة في مباريات الفراعنة، وتجاوز عدد الحضور في المباراة الأولى أمام زيمبابوي 28 ألف متفرج، قبل أن يرتفع إلى نحو 40 ألفًا في المباراة الثانية أمام جنوب إفريقيا. وقتها، امتلأت وسائل الإعلام المصرية بعبارات الشكر والإشادة، وكان المشهد يعكس ما اعتاده الجميع من مودة وتقدير متبادل بين الشعبين.
لكن وبسبب اتهام للتحكيم بمساندة المنتخب المغربي صاحب الأرض، بدأت الأصوات الأكثر صخبًا الباحثة عن المتابعات والانتشار في استغلال الموقف وتضخيم الخلاف، حتى تحول تدريجيًا من نقاش رياضي محدود إلى حالة احتقان، بدت لمن يتابعها من بعيد، وكأنها تعبر عن موقف شعبين كاملين.
وفي كرة القدم، لا تنتهي كل الصراعات مع صافرة الحكم، فبعضها يبدأ بعدها، لا على المستطيل الأخضر، وإنما على شاشات الهواتف، حيث تتحول التعليقات إلى اتهامات، والمنافسة إلى خصومة، والاختلاف الطبيعي إلى شعور زائف بأن شعبين يقفان على طرفي معركة لا نهاية لها.
يرى المصري منشورًا مسيئًا كتبه شخص مغربي، فيظنه معبرًا عن رأي كل المغاربة، ويرى المغربي تعليقًا غاضبًا من حساب مصري، فيعتقد أنه يمثل المصريين جميعًا، وبعد ساعات أو أيام، يصبح الجميع غاضبًا من صورة ذهنية لم يصنعها الواقع، بل صنعتها الخوارزميات، أما الحقيقة، فهي أن ملايين المصريين لم يكتبوا شيئًا، وملايين المغاربة لم يشاركوا أصلًا في هذا الجدل، لكنهم اختفوا وسط الضجيج، لأن الهدوء لا يتصدر قوائم الانتشار.
وهنا يقع كثيرون في أخطر أنواع الخداع؛ الخلط بين العالم الافتراضي والعالم الحقيقي. فليس كل ما يتصدر مواقع التواصل يعكس نبض الشارع، وليس كل "هاشتاج" يمثل رأي شعب، وليس كل مقطع ينتشر يعبر عن حقيقة ما يشعر به الناس. إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نسمح لمجموعة صغيرة من الباحثين عن التفاعل بأن تعيد تشكيل صورتنا عن شعوب عاشت لعقود في احترام ومحبة متبادلة.
فالحقيقة المؤكدة أن العلاقة بين المصريين والمغاربة أكبر بكثير من مباراة كرة قدم، وأعمق من منشور على منصة اجتماعية، إنها علاقة صنعتها سنوات طويلة من المحبة والتقدير والتقارب الثقافي والإنساني، ولم تكن يومًا رهينة نتيجة مباراة أو قرار تحكيمي، وإذا زرت المغرب، ستجد الترحيب الذي يعرفه كل من تعامل مع الشعب المغربي، كما سيجد المغربي في مصر ما اعتاد أن يجده من مودة وألفة؛ لأن ما يجمع الشعبين أكبر بكثير مما تفرقه منافسة رياضية عابرة.
ستظل كرة القدم مساحة جميلة للمنافسة، وستظل الجماهير تختلف، وتفرح، وتغضب، وتحتفل، وهذا جزء من سحر اللعبة، لكن ما لا ينبغي أن نقبله هو أن تتحول المنافسة إلى وسيلة لإفساد علاقات صنعتها سنوات طويلة من الأخوة والتاريخ المشترك، فالمنتخبات تتبادل الانتصارات والهزائم، والبطولات تأتي وتذهب، أما الشعوب فلا ينبغي أن تصبح رهينة تعليق غاضب أو مقطع مجتزأ أو حملة يقودها بضعة متعصبين خلف الشاشات.
وسيظل من يزرع الكراهية موجودًا في كل زمان ومكان، لكن المشكلة الحقيقية هي أن نمنحه نحن المساحة ليقنعنا بأن صوته هو صوت الجميع، وأن ضجيجه هو الحقيقة.