المقهى الثقافى

أحمد فضل شبلول يكتب عن إبراهيم أصلان في ذكراه الثالثة: "معه في مدينة الرياض"

7-1-2015 | 18:04

أحمد فضل شبلول وإبراهيم أصلان

كنا نتداول في الإسكندرية بعض الكتب التي نعيرها لبعضنا البعض في قصر ثقافة الحرية خلال السبعينيات، وكان من بين هذه الكتب "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" لأمل دنقل و"شجر الليل" و"الناس في بلادي" لصلاح عبدالصبور و"مدينة بلا قلب" لأحمد عبدالمعطي حجازي و"اللجنة" لصنع الله إبراهيم و"مالك الحزين" لإبراهيم أصلان.


وقد تشاجرت مع صديقي الذي أعطاني "مالك الحزين" لأنني تأخرت أكثر من أسبوع في إعارة الكتاب لي، لكن عندما عرف أنني أعيد قراءته وأطلب مهلة أسبوعا آخر، وسوف أترك له "بكاء" أمل الذي أملكه أسبوعا آخر له، تأسف لي على حدته في الحديث معي.

لم أكن قد التقيت إبراهيم أصلان بعد، ولا أحدا من الذين قرأت لهم أعلاه، ويبدو أن أصلان لم يكن يتردد كثيرا على الإسكندرية في هذه السنوات، على العكس من أمل دنقل الذي عاش وعمل في الإسكندرية بعض الوقت، وعندما تركها كان يتردد عليها بين وقت وآخر، وكان أول لقاء لي معه في القاهرة وليس الإسكندرية.

وتشاء الظروف أن يكون أول لقاء بيني وبين إبراهيم أصلان في مدينة الرياض حيث حضر بدعوة من مهرجان الجنادرية مع وفد أدبي مصري كبير، وتشاء الظروف أيضا أن يكون آخر لقاء بيني وبينه أيضا في الرياض حيث كنت أنا المدعو لمهرجان الجنادرية وهو كان مدعوا لزيارة معرض الرياض الدولي للكتاب.

كان اللقاء الأول في الرياض في منزل فنان تشكيلي مصري، انتهز فرصة وجود هذا الجمع من كبار أدباء مصر شعراء وروائيين وقصاصين وصحفيين جاءوا لحضور مهرجان الجنادرية عام 1992 بدعوة من رئاسة الحرس الوطني. فإذا بصديقنا الفنان التشكيلي عبدالرحيم يختار بعض الأدباء المصريين ضيوف الحرس الوطني وبعض الأدباء المصريين الذين يعملون ويقيمون في الرياض، (وكنت والأديب الراحل يوسف أبو رية من الفريق الثاني وقتها) وكان على رأس هؤلاء الضيوف إبراهيم أصلان وجار النبي الحلو.

لفتني في هذه السهرة المصرية في السعودية أن إبراهيم أصلان تحدث طويلا عن الفن التشكيلي بعد أن شاهد بعض لوحات صديقنا عبدالرحيم، وأثنى عليها، وحتى تلك اللحظة لم أكن أتوقع أن أصلان يتحدث عن الفن التشكيلي بهذه السلاسة والانسيابية، وكأنه ناقد تشكيلي أو رسام أو نحات، وذكَّرني وقتها بالشاعر العراقي الراحل بلند الحيدري الذي التقيت به مرة واحدة في مكتب الشاعر فاروق جويدة بجريدة الأهرام بالقاهرة، لكن كنت أتابع مقالاته عن الفن التشكيلي في مجلة "المجلة" السعودية التي تصدر من لندن.

منذ تلك الليلة وقعت في صداقة إبراهيم أصلان الطيب المثقف ابن البلد ذي الشارب الكث، وازدادت صلتي به، وعندما عدت نهائيا من السعودية عام 1998 كنت ألتقي به في بعض الندوات والمؤتمرات الأدبية سواء في القاهرة أو غيرها من المدن، وعندما عرف أن لي صلة بالكمبيوتر والإنترنت طلب مني أن أشرح له بعض الأشياء عن هذا الجهاز العجيب، وكيف ينشئ بريدا إلكترونيا له وكيف ينشر أعماله على الإنترنت ويتراسل مع الكتاب والقراء.

كنت سعيدا جدا بأسئلة إبراهيم أصلان التي تكشف عن رغبة حقيقية في مواكبة وسائل العصر، لكن لم تكن لقاءاتنا السريعة تسمح بالإفاضة في الشرح والتطبيق العملي، ويبدو أن حديثنا معا في هذا الاتجاه كان مجرد بداية لإبراهيم أصلان لأن يستزيد من أشخاص آخرين، أو ينتظم في دورة تدريبية تؤهله لأن يستخدم جهاز الكمبيوتر ويبحر في عالم الإنترنت كأي مستخدم محترف.

وعندما بدأ ينشر مقالاته كل ثلاثاء في جريدة الأهرام ويضع تحت اسمه بريده الإلكتروني سعدت للغاية وكتبت له رسالة إلكترونية على إيميله، فإذا به يرد علي ويحييني ويشكرني على قراءة مقاله كاتبا لي: "شكرا يا أبو حميد ولا أنسى أنك من رواد هذا البريد العجيب". مما شجعني على مراسلته كلما سمحت الظروف أو أردت إبداء إعجاب بمقالاته (الثلاثائية) في الأهرام.

وجودي في الإسكندرية بصفة دائمة ووجوده في القاهرة بصفة دائمة لم تسمح بلقاءات كثيرة ومتعددة، لكن ظل كلانا يحمل الود والتقدير للآخر.

أما المشهد الأخير معه فكان في الرياض أيضا، حيث كان مدعوا للحديث في معرض الرياض الدولي للكتاب في مارس من عام 2009، وكنت مدعوا للمشاركة الشعرية في مهرجان الجنادرية في دورته الرابعة والعشرين في الأسبوع نفسه.

غير أن الإقامة كانت في فندقين مختلفين، لذا لم ألتق به إلا في حفل توزيع جائزة خادم الحرمين الشريفين للترجمة، ثم في حفل الغداء الذي يستقبل فيه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز ضيوف الجنادرية ومعرض الكتاب معا.

فوجئت به واقفا في شحوب مع الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطي حجازي والكاتب الصحفي الكبير ونقيب الصحفيين في ذلك الوقت مكرم محمد أحمد، سلمت عليهم وعانقت أصلان في ود وحميمية، وقام حجازي بتقديمي لمكرم محمد أحمد (الذي لم التق به من قبل)، وأضاف أصلان وصلة مدح على تعريف حجازي..

وعندما بدأنا ندخل قاعة احتفالية الجائزة لم أجد إبراهيم بجوارنا، تراجعت للوراء قليلا وأخذت أحدق في الوجوه الداخلة إلى القاعة، فلم أجده، فخرجت من باب جانبي لأجد سيارة إسعاف واقفة واثنين يحملان نقالة عليها إبراهيم أصلان، هرعت إليه لأطمئن عليه، فقال لي: "بسيطة يا أبوحميد يبدو أن السكر علا قليلا عندي". وطلب مني ممرض الإسعاف أن لا أتحدث كثيرا معه، وسرعان ما انطلقت السيارة بداخلها إبراهيم أصلان إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي لضبط درجات السكر عنده.

عدت إلى القاعة، ومنظر شحوب أصلان ووجوده داخل سيارة الإسعاف يقلقني، فلم أستطع متابعة أي فعاليات أو كلمات من هذا الحفل الذي يتسلم فيه مترجمون عرب وأجانب جوائزهم.

بعد انتهاء الحفل أخذت أبحث عن الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي ومكرم محمد أحمد، عثرت على حجازي وأبلغته بأن سيارة الإسعاف حملت إبراهيم أصلان، فذكر لي إنه كان يشعر بعدم انضباط في السكر نتيجة (لخبطة) في أكل الفندق، غير أنه طمأنني بأن إبراهيم سيكون في حالة جيدة بعد أن يمكث قليلا في المستشفى لضبط درجات السكر.

في اليوم الثاني وعلى مائدة خادم الحرمين الشريفين التقيت أصلان وكان أفضل كثيرا، غير أن مراسم الاستقبال الملكية ومراسم الدعوة على الغداء الملكي لم تسمح لنا بالحديث طويلا، وكانت هذه المرة، هي المرة الأخيرة التي ألتقى فيها المبدع الكبير الإنسان الفنان إبراهيم أصلان، رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته.

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة