يقولون لك.. كل عام وأنت بخير. يهنئونك بيوم ميلادك. يكادون يقيمون لك حفلاً لأنك اقتربت خطوة أخرى من حفرة القبر.
هذه هي المفارقة الكبرى التي لا ينتبه لها أحد وسط صخب البالونات وتقطيع التورتة. نحتفل بالاقتراب من النهاية. نرقص على إيقاع ساعة تحسب علينا لا لنا. نحن الكائنات الوحيدة في هذا الكون التي تعلم أنها ستموت، ورغم ذلك، أو ربما لهذا السبب بالتحديد، نمتلك موهبة فذة في إنكار هذه الحقيقة. نملأ الوقت بأي شيء، نثرثر، نتزوج، ننجب، نكدس المال، نتحارب، كل هذا كي لا نسمع صوت تلك الساعة اللعينة وهي تدق.
ولكن، هناك طموح آخر. طموح لا يجرؤ عليه إلا المجانين والعظماء. ألا تطيل عمرك فحسب، بل أن تطيل بقاء اسمك بعد أن تغادر. أن تصبح شبحاً لطيفاً يتردد على الألسنة بعد رحيله، لا شبحاً مخيفاً يتطيرون من ذكره. أن يمر اسمك مرور الطيف الخفيف، محملاً بمحبة، ودعوة تقال في ساعة إجابة، وامتنان غريب على شيء صغير فعلته ذات يوم ونسيته، لكنهم لم ينسوه.
المشكلة أن معظم الناس يموتون مرتين. مرة حين تتوقف قلوبهم عن الخفقان، ومرة أخرى، وهي الأكثر فظاعة، حين يتوقف الآخرون عن تذكرهم. الموتة الثانية هذه هي الفناء الحقيقي. هي العدم المطبق. أن تصبح مجرد اسم في سجل قديم، يعلوه التراب، لا أحد يفتحه. أن تذوب في زحام الموتى المنسيين كما تذوب قطرة مطر في محيط.
هذا هو القدر الذي ينتظر جميع البشر. هذه هي الحقيقة الوحيدة المؤكدة التي لا تخطئها العين إذا تجردت من غشاوة الأمل الكاذب.
هناك عمر تقيسه السنوات، وآخر تقيسه القلوب. شتان ما بينهما. العمر الأول عبارة عن عداد ميكانيكي بارد، ترس يدور وراء ترس، يتآكل معه الجسد، يذوي الوجه، يبيض الشعر، تنحني القامة، ويصبح الأقوياء في خبر كان. أما العمر الآخر، فعمر من ضوء ونور. لا علاقة له بطول السنين أو قصرها. قد يعيش إنسان مائة عام ولا يذكره أحد، وقد يعيش آخر ثلاثين عاماً فقط، لكنك تجد اسمه في كل مكان، كأنه لم يمت أبداً. العبرة ليست بالكم، يا صديقي، العبرة بالكثافة. كثافة الروح وهي تحترق لتضيء للآخرين.
يقولون إن الأثر هو الخلود الوحيد المتاح للبشر. لكن أي أثر؟ هناك من يتركون أثراً كأثر الدودة في التفاحة، خراب وعفن. وهناك من يتركون أثراً كأثر المطر على الأرض العطشى، حياة وخصب. الأمر كله يتلخص في تلك الطاقة الغريبة التي نطلقها في الفضاء المحيط. هناك بشر يعملون كمحطات إرسال للبؤس والقلق والكآبة، يلوثون الأجواء بمجرد وجودهم، وحين يرحلون، تتنفس الأرض الصعداء. وهناك بشر، قلة نادرة، يعملون كمحطات إرسال للطمأنينة والبهجة والأمل. هؤلاء هم الذين نسميهم العظماء، لأنهم شعروا بنا، ونحن نشعر بهم بعد رحيلهم. هذا هو السحر كله.
الغريب أن هذه المعادلة تعمل بشكل عكسي تماماً في عالم اليوم. الكل يريد أن يكون مشهوراً، لا عظيماً. الكل يريد أن يكون ترنداً، لا قيمة باقية. يسعى وراء الصورة لا وراء الجوهر. يبني له أهراماً من فقاعات الصابون، تلمع قليلاً في ضوء الشاشات، ثم تنفجر وتختفي دون أن يذكرها أحد. إنه يلهث وراء أن يُرى، لا وراء أن يُذكر. وراء أن يكون حاضراً في العيون للحظة، لا حاضراً في القلوب للأبد. إنها مأساة عصرنا، أننا نخلط بين الضجيج والصوت، وبين الإضاءة والنور. الضجيج يصم الآذان ثم يتلاشى، أما الصوت الأصيل فيخترق جدار الزمن مثل سهم. الإضاءة تعمي العيون لثوانٍ، أما النور فيهتدي به التائه في ليله البهيم.
هل يمكنك أن تسأل نفسك سؤالاً واحداً، بمنتهى الصدق والقسوة كم واحداً سيحزن عليك فعلاً لو مت بعد ساعة؟ ليس زملاؤك الذين سيضطرون لتأجيل الاجتماع. أو معارفك الذين سيقولون "لا حول ولا قوة إلا الله" ويكملون تصفح الفيسبوك. لكن أولئك الذين سيترك موتك في قلوبهم فجوة لا يسدها شيء. إذا كان الجواب صفراً، أو رقماً مخجلاً، فأدرك أنك ميت فعلاً، وأنك ما زلت تمشي وتأكل وتشرب فقط؛ لأن روحك نسيت أن تخبر جسدك بموتها. نحن نتحول إلى جثث متحركة حين ننقطع عن الآخرين، حين نصبح جزراً منعزلة من الأنانية.
يقول الرافعي: "إذا لم تزد شيئاً في الدنيا فأنت زائد فيها". وأنا أقول: «إذا لم تزرع في القلوب شيئاً يحيا بعدك، فأنت ضيعت حياتك بالغفلة حتى أتاك الموت».
الأثر، يا صديقي، لا يحتاج إلى مال ولا إلى جاه ولا إلى منصب. قد تترك أثراً بابتسامة، بنصيحة، بموقف، بخشوعك في صلاتك وأنت لا تدري أن شخصًا يراك فيخجل من نفسه ويعود إلى الله.
الحياة مليئة بهذه الفرص المجانية. إنها مطروحة على قارعة الطريق، لكن المشكلة أننا نسير محدقين في هواتفنا، تائهين في طموحاتنا التافهة، لا نلتقطها.
الملخص، في النهاية، أن تفهم أنك مجرد مسافر. أن تعبر هذا الكوكب عبوراً لا يدمّر البيئة. أن تترك غرفتك أنظف مما وجدتها. أن تنظر في عيون الآخرين كأنما تقول لهم دون كلمات: "أعلم أنكم مثقلون ومتعبون وخائفون مثلي. هذه الحياة رحلة شاقة، لكن ما رأيكم أن نخفف عن بعضنا بعضاً قليلاً؟! إنها فكرة بسيطة وعميقة، أن تكون مسكناً للآلام لا مسبباً لها. أن تكون مخدّراً لطيفاً في عالم مكتظ بالأوجاع.
النبأ السعيد، إن كنت من الباحثين عن البشائر في زمن انقطعت فيه البشائر، هو أن العمر الذي تحصيه القلوب لا يخضع لقوانين الفيزياء. فيه تتحول اللحظة إلى دهر، والموقف العابر إلى أسطورة. قد تموت شاباً، لكنك تعيش في الضمير الجمعي أطول من شيخ معمر قضى حياته يأكل ويشرب ويتناسل مثل وحش.
الخلود ليس خرافة. إنه متاح، لكن ليس للجميع. إنه متاح فقط لأولئك الذين أيقنوا أن قيمتهم الحقيقية تكمن في مقدار الحب الذي بذلوه لا في مقدار المال الذي كوموه، وفي حجم العطاء الذي قدموه لا في حجم العضلات التي استعرضوا بها، وفي عمق الدعوات الصادقة التي تلاحقهم في القبور لا في عمق الجيوب.
ألقِ نظرة سريعة، إن كان لديك وقت، على قائمة أصدقائك ومعارفك. تأملهم واحداً واحداً. من منهم سيبقى بعد عشر سنوات من موته في ذاكرة أحد؟ من منهم سيرفع له الغرباء أكف الضراعة؟ من منهم سيزرع وردة على قبر معنوي لا مادي في صدر إنسان؟
هؤلاء، فقط هؤلاء، هم الذين اكتشفوا سر اللعبة. إنهم لا يعيشون، بل يحيون. والفرق كبير بين أن تكون حياً وبين أن تكون مصدراً للحياة. الأول حالة بيولوجية، والثاني حالة إلهية، قبس من روح الله نفخه فيك لتنفخه بدورك في هذا العالم الميت.