زياد الرحباني.. المنتصر

25-7-2026 | 14:32

انتصر زياد الرحباني على شهرة والدته السيدة "النبيلة" فيروز ووالده الفنان عاصي الرحباني ولم يقل يومًا مثل غالبية أبناء المشاهير: يكفي أنني ابنهما؛ وأثبت قول الشاعر: 
ليس الفتى من قال كان أبي 
إن الفتى من قال ها أنا ذا
ونجح في ذلك "بامتياز"؛ فبرع في التميز بموسيقاه الخاصة وفي العزف على البيانو والتمثيل والتأليف والإخراج المسرحي وكتابة الأغاني والتلحين، وامتلاك مواهب "نادرة" اعترف بها الخصوم قبل المحبين. 

ولم يعش في جلباب والديه وعمه منصور الرحباني، وكان "تمرده" عليهم في الشكل فقط؛ حيث أعلن توجهاته السياسية علنًا وساند رفض الاستكبار والاحتلال السياسي والثقافي والاقتصادي..
وفعل ذلك والده وعمه ووالدته "فقط" من خلال فن الرحبانية ومن رفض فيروز مغادرة بيروت أثناء الحرب.

ولد زياد في 1 يناير 1956 وغادر جسده الحياة 26 يوليو 2025. 
انتصر زياد في الحرب الأهلية اللبنانية التي عاشها وشاهد حصار ومجزرة الميليشيات اليمينية في تل الزعتر عام 1976، وغادر إلى بيروت "ورفض" المشاركة في المذابح واختار الحفاظ على الوطن ورفض الطائفية والتعصب "وانحاز" للحق فقط.

بدأت طيبته مبكرًا حيث كان يؤلف قصصًا مضحكة يحكيها لأخوته قبل النوم، ويحرص أن يشتري لها حلوى وهو عائد من المدرسة، وواصل "طيبته" برفض الاستغلال بكل أشكاله وفي أعماله كان يهدينا طاقات من القوة لرفض القبح واختيار الطيبة.

أحبه الجمهور لأنه زياد بكل تفاصيله وليس لأنه ابن فيروز وعاصي الرحباني؛ فكانت
أغانيه تهدف لنشر الخير والجمال والصدق، وكان مبدعًا استثنائيًا امتلك قلب "طفل" بريء وعقل ثائر بلا ادعاءات أو فلاتر.

بدأ طريقه في الإبداع مبكرًا جدًا؛ فقد ألف ديوانًا شعريًا وعمره 12 عامًا، ولحن أول أغانيه وعمره 15 عامًا، عندما كان في السابعة عشرة من عمره، قدم أغنية "سألوني الناس" أول لحن يقدمه لوالدته.

انتصر زياد على الرغبة في جمع أكبر عدد من المعجبين ونجا من "نفاق" الجماهير بقول ما يرغب البعض في سماعه خاصة وقت الحرب الأهلية في لبنان والتي كابد محنتها مع اللبنانيين، وفي الحروب التالية، ورفض مسايرة "الفتن" في شدتها وانحاز للوطن وربما ذلك بعض ما ميزه حيث دومًا كان "الصدق" بوصلته الوحيدة.

رفض عروضًا بالملايين ليقدم فنه في أماكن لا يحبها وانتصر على المال رغم "احتياجه" له وفضل احترامه واعتزازه بفنه وبنفسه.

في مسرحياته السياسية انتصر على الطائفية المنتشرة بضراوة في لبنان، والتي تزداد شهرة وأحيانًا نفوذ من "يشعل" نيرانها، واختار السعي بمثابرة ووعي ونقاء ووطنية وإخلاص "إطفاء" نيرانها وتوجيه الوعي الشعبي إلى أن الجميع "شركاء" في الوطن وأن عدوهم واحد؛ وهو العدو الخارجي الذي يريد إنهاكهم في صراعات "تنال" منهم جميعًا؛ ليتمكن من السيطرة عليهم بأقل كلفة وأسهل مجهود فدومًا شعار كل عدو: "فرق تسد".

انتصر على الإبداع؛ فلم يكتب إلا ما أراده، ولم يلحن إلا لمن "رغب" في التلحين له، ولم يرضخ لإغراءات المال أو شهوة التواجد بأي ثمن.

انتصر على خصومه في الفن والسياسة؛ فبعد موته "لم" يجرؤ أحدهم على انتقاده أو حتى على عدم "التباكي" عليه؛ بل إن بعض خصومه السياسيين حرصوا على الاستعانة بفيديوهات قديمة جدًا له تظهر بعض التعاطف معهم "وتعمدوا" تجاهل ما قاله عنهم بعد ذلك وكرره كثيرًا؛ أنه كان عندئذ مراهقًا مندفعًا لكنهم اختاروا التزييف ربما لمنح أنفسهم مكانة محترمة بالزعم بتأييد زياد لهم!!

ترك زياد الرحباني إرثًا كبيرًا من المسرحيات والأغاني التي كتب معظمها ولحنها ومقطوعات موسيقية، أجمع الجميع على عبقريته وتفرده، لكن الأهم أنه أثبت أنه "بإمكان" المبدع -إن أراد- ألا يفرط في مبادئه؛ فلم ينحنِ أمام الإغراءات بأنواعها؛ بل "ركلها" بعزة نفس واختار حريته وكرامته وانحيازه الدائم لاستقلال وطنه..

تميز بالسخرية اللاذعة التي "تفضح" الكذب والتضليل وتعريه ببساطة وبخفة ظل تصل إلى القلوب والعقول وكيف لا تصل؟! وهي تصدر من إنسان "يتنفس" الصدق والإخلاص.

انتصر زياد على الشهرة فلم يسمح لها "باستعباده" وفعل ما يخاصم مبادئه وانتصر على حب المال؛ فلم يفعل ما لا يرضيه سعيًا وراء المال، وعاش احترام النفس، ولم يعش حياة القصور، وامتزج بالحياة، وخفض أسعار حفلاته ومسرحياته حتى يستطيع أكبر عدد ممكن من الجمهور حضورها.

انتصر زياد على ما يفعله غالبية المثقفين من إضفاء هالة على أنفسهم والابتعاد عن الناس فكان مع الناس، وانتصر على أزماته الشخصية وعلى تعرضه لبعض الخيانات من المقربين ولم يسمح بأي تسلل غير نقي إلى قلبه وحافظ عليه "نقيًا" لآخر يوم من عمره.

انتصر على المرض فلم يتاجر به كما فعل ويفعل الكثيرون من المشاهير، واحتمى بكرامته كما فعل طوال حياته؛ فهي الأوكسجين الذي اختاره ليحيا بها، وأبقى الأمر سرًا وحافظ على رأسه "مرفوعًا" حتى وفاته وكيف لا يفعل؟! وهو الذي كرس حياته للدفاع عن كرامة الإنسان وكرامة الأوطان ورفض بشراسة أي مساس بهما.

احتل زياد مكانته ليس كمبدع موسيقي ومؤلف غنائي ومسرحي فقط؛ بل "كثائر" ضد كل ما ينتقص حقوق الإنسان في الحرية والعدالة، وأيضًا في الصدق في العلاقات ورفض الكذب والزيف بكل الأشكال والدرجات.

رفض زياد الرحباني طوال عمره السير وراء القطيع وكانت موسيقاه تلمس القلوب وكلماته تعبر عن الناس بأوجاعهم وأحلامهم.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة