قرأتُ أن الفلاسفة قَضوا قُروناً للبحث عن الإكسير الذي يحول التراب إلى ذهب، وفشلوا.. لكننا اليوم.. عندنا ما يشبه ذلك.. شاشاتنا الزرقاء في السوشيال ميديا، نجحت فيما عجز عنه الفلاسفة، واستطاعت أن تحول "الهيافة" إلى حكمة، والسخافة إلى نجومية، والماء العكر إلى شراب سائغ للشاربين!
حينما ترى الشتائم في كل الدول وبين كل الدول من حولك؟!.. وكيف تنتشر العلاقات السامة بين الشعوب.. وخناقات جماهير الكرة.. وفتن فيسبوك وتويتر وإنستجرام.. والتعرض لكل نقيصة في كل شعب وسلبياته وما يكرهه.. فترى التفاعل يزيد وينتشر.
إنه الاستفزاز يا سادة.. السحر الأسود الجديد الذي يضع الأحداث على منصة "التريند" ويرفع أصحابها ليكونوا "نمبر وان"!
وهنا يراودني سؤال بسيط يحمل في طياته فلسفة عميقة: من الذي نشر هذا الغثاء؟! وسوّقه وجعله يتصدر الجدل؟! ومن الذي ساعد على تفشيه في أوردة شبكات التواصل؟! هل يكفي الاستفزاز وحده ليصنع هذا الضجيج؟!
أم أن هناك من ينفخ فيه ليكبر ويلاحقنا.
إنها خطة محكمة، تفوح منها رائحة اللؤم والخبث، نعرفها ونحفظها عن ظهر قلب، ولكننا للأسف نقع في فخها مع كل شمس تشرق! السيناريو المكرر يدور بنفس الصورة الكربونية، وإن اختلفت الوجوه.
الاستفزاز هو التجسيد العصري للمثل القديم: "خالف تُعرف".. كلما اتجه الناس يميناً، اسلك أنت اليسار، وإذا أشاروا إلى الشمس، أشر أنت إلى الظلام! كن معترضاً، مقتحماً، سخيفاً، وسيصنع منك الشتم بطلاً، وتتحول في لحظة عين إلى "نمبر وان".. الاستفزاز بات كلمة السر التي تحول الجريمة إلى تاريخ، والإزعاج إلى نغم، والتفاهة إلى فلسفة!
ولكن، ينبغي لنا هنا أن نتوقف لنلتقط أنفاسنا ونميز الغث من السمين؛ فبداية الاستفزاز قد تكون شتماً صريحاً وسباباً مباشرًا، وهذا تحديداً ما يجب ألا نلتفت إليه إطلاقاً.. أتعرفون لماذا؟ لأن خلف هذا السباب المباشر.. مئات بل آلاف الحسابات وهمية الوجه، يقبع خلفها وحدة صهيونية!
تلك الوحدة التي تمثل رأس السهم في التجسس والتأثير النفسي، وتصنع ما يُسمى بـ "الذباب الإلكتروني".. آلاف الحسابات التي تتحدث بلهجاتنا العربية الدقيقة -من مصرية وخليجية وشامية ومغاربية- لا لشيء إلا لتلعب على أوتار الخلافات البينية، والنعرات الطائفية والرياضية، وتزيف الوعي وتنشر اليأس. هم يدرسون نقاط ضعفنا النفسية، ثم يلقون بالشرارة في حطب السجالات العادية، لنشتعل نحن بالردود والتعليقات، بينما يتفرجون هم على الحريق!
حين تنهال التعليقات الساخنة، تدخل حتى القنوات الإخبارية الجادة على الخط لتنقل "المناوشات" بصيغة الخبر المحايد، ويبدأ السباق المحموم: هذا ضد ذاك، وذاك ضد هذا.. والكل يعلم بالمصيدة، ومع ذلك نندفع نحوها بكامل إرادتنا!
إنني أتساءل بحسن نية -وربما أكون حالمًا في زمن يكره الأحلام- هل يمكن أن نشجع بلا خصام؟ أن نختلف بلا فتنة؟ وأن نفوز دون أن نهين أحداً؟
نحن مطالبون اليوم -جميعنا بلا استثناء- أن نكون مفاتيح للخير ومغاليق للشر، وألا ننساق وراء الشماتة أو الهمز واللمز.. لم يعد هذا التكليف حكراً على الكُتّاب أو المفكرين، كما كنا نظن في الماضي، بل أصبح واجب المواطن العادي قبل غيره؛ فالرأي الفردي في زمن السوشيال ميديا يطير أسرع من البيانات الرسمية لمجرد أنه حاد ومستفز!
خذوا مثلاً بطولاتنا الرياضية، بدلا من أن تكون فرصة لصنع الذكريات والمواقف الجميلة.. أصبحت فرصة للتناحر والفتن.. وتبدأ من مشجع يسخر من آخر لتنتهي عند شعب كامل يطارد شعبًا آخر.. والكل خسران.
الكلمة الخبيثة سهلة وتفتح لك الصفوف الأولى في مضمار "السوشيال ميديا"، أما الاعتذار وضبط النفس والتجاوز، فهي صفات نبيلة لكنها للأسف لا تصنع ضجيجاً!
وكيف ننجو من كل هذه الفتن؟!.. الوعي، هو أول خطوة في النجاة.. ونتحقق ونتبين ولا ننشر محتويات مجهولة المصدر، أو من حسابات وُلدت بالأمس لتبث الكراهية اليوم.. ونتجاهل على قدر المستطاع.. ثم نفكر قبل المشاركة ما الذي سيعود علينا. وهل سنكون مثل الذي أشعل نارًا في غابة بعود ثقاب واحد.. أم سنكون كمن يطفئ هذه النار الطاغية بقدمه.
نعم، إن الهدوء لا يصنع "ترند"، ولكنه الحكمة والحقيقة الوحيدة التي تمنعنا من إشعال نار الفتن وصنع الإنسانية.
إكس: @ahmedtantawi