نموت نموت ويحيا اللايك!!

23-7-2026 | 11:24

حقيقة لا مفر منها لا يجب إنكارها أو تجاهلها، لقد أتاح الإنترنت لي ولغيري فرصاً غير مسبوقة للتعلم والبحث العلمي، والتدريب ونقل المعرفة بمنتهى السرعة واليسر. ولا عيب أن نقر ونعترف أنه أصبح بالنسبة للكثيرين وسيلة يصعب منافستها أو الاستغناء عنها للوصول إلى أفق الجمهور الواسع لتسويق منتجاتهم وأفكارهم وتحقيق كسب مادي، من خلال إنتاج وتقديم قيمة حقيقية يحتاج إليها المجتمع. 

لكن أن تختفي القيمة ويصبح مصدر الرزق هو الجلوس أمام الإنترنت وفعل أي شيء ليس له معنى أو هدف لمجرد الحصول على اللايك والشير لجني المال، فهو مصير لا أتمناه لأحد.. قلت "مصير" ولم أقل مستقبل؛ لأنه لا يمكن أن يكون مستقبلاً، ولكن بالأحرى "لا مستقبل".

وفي وسط حيرتي قررت أن أستفسر عن الأمر من السيد "شات جي بي تي"، فوجدته يجيب بمنتهى السرعة كما تعلم، أقصد كما تبرمج.. يفعل الناس ذلك لأنهم يكسبون المال من خلال التفاعل مع منشوراتهم، فكلما حصلوا على كثير من اللايك والشير زاد الربح.

ببساطة هذا التفاعل يعتبر دليلاً على قدرة منشوراتهم على جذب المتابعين، وبالتالي جذب الشركات للاتفاق مع أصحاب تلك المنشورات للترويج لعلاماتهم التجارية. 

ثم وجدته يضيف بمنتهى الصراحة أن اعتبار الإنترنت مصدرًا للدخل ليس عيباً، ولا يمثل مشكلة في حد ذاته، وإنما تحدث الكارثة عندما يتحول التفاعل الرقمي نفسه، المتمثل في الإعجابات (Likes) والمشاركات (Shares) وعدد المشاهدات، إلى الغاية النهائية التي يُقاس بها النجاح وتُبنى عليها مصادر الرزق. 

ففي هذه الحالة ننتقل من التركيز على إنتاج معرفة أو تقديم خدمة أو ابتكار منتج إلى مجرد التركيز على جذب الانتباه بأي وسيلة كانت، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة أو الأخلاق أو المصلحة العامة. 

الرائع أن تجد "شات جي بي تي" يحلل لك الواقع بشكل علمي منهجي، حين يقول إن نتيجة ما سبق هي نشأة ما يُعرف بـ"اقتصاد الانتباه"، حيث أصبحت قيمة المحتوى لا تقاس بجودة ما يقدمه ولا دقته ولا فائدته لأحد، ولكن بالأحرى بقدرته على جذب أكبر عدد من النقرات والتفاعلات. 

ومعنى ذلك بكل صراحة ووضوح أن يصبح الواقع الرقمي بيئة خصبة ومرتعاً لمن يطلقون على أنفسهم مسمى "صانع محتوى" لافتعال الإثارة ونشر الشائعات، أو استغلال العواطف، أو افتعال الجدل، لتحقيق انتشار واسع لمنشوراتهم، وبالتالي عائد مالي كبير، حتى ولو أدى ذلك إلى تشويه منظومة القيم والأخلاق في المجتمع. 

لا عجب إذن في أن نجد كثيرًا من الشباب وقد أصبحوا على قناعة تامة بأن النجاح في الحياة لا يتطلب اكتساب مهارة أو تعلم مهنة أو تطوير الذات، كما تدعي المدرسة الكلاسيكية التي نشأ عليها أباؤهم.. انتهى ذلك الوقت، يكفي الآن فقط الحصول على عدد كبير من المتابعات والتفاعلات. من ثم لا عجب أيضاً أن نجد -بمرور الوقت- تراجعًا لقيمة الدراسة والاجتهاد والعمل المنتج، لتحل محلها –كما نرى بمنتهى الوضوح- ثقافة الشهرة السريعة والسعي المستمر وراء ما تجود به خوارزميات المنصات، دون أدنى اعتبار للقيمة المضافة للعمل الذي يقدمونه. 

بالتأكيد لا يوجد أي عيب في الاستعانة بوسائل التواصل ليكسب الطبيب مالاً كمقابل لقيامه بتوعية الناس، والمهندس لقيامه بشرح تخصصه، والأستاذ لقيامه بنشر المعرفة، ورائد الأعمال لتسويق منتجاته. 

أما أن يصبح اللايك والشير سلعةً قائمة بذاتها، فمعنى ذلك قيام البعض بتعمد إنتاج محتوى مصمم خصيصًا لإثارة الغرائز بدلاً من إثراء العقول.

كثير من الشباب أصبح كل همه أن يجلس أمام الكمبيوتر ليل نهار ليحقق أعلى مستوى في ألعاب أصبحت بالنسبة لهم هي المستقبل، ولم لا وهم يرون زملاء لهم يكسبون آلاف الجنيهات من هذه الألعاب، فيصبح كل همهم وطموحهم وأملهم أن يكونوا مثلهم ويحققوا مثلما حققوا.

سمعت يومًا من يقول إنه يمكنك أن تستخدم السكين في تقطيع الفاكهة.. كما يمكنك استخدامه في القتل إن أردت. فالخير والشر لا علاقة لهما بالأداة نفسها، وإنما العبرة دومًا بالغاية من استخدامها. 

غير أن مقارنة الإنترنت بالسكين، باعتباره أداة من أدوات العصر الحديث، يمكن أن تصبح مصدراً للمعلومات والثقافة وللرزق أيضًا، كما يمكن أن يتحول إلى أداة للهدم وتدمير الأخلاقيات، تعتبر مقارنة يغيب عن بالها أن الإنترنت والمنصات الرقمية لا تكتفي بلعب دور "الأداة المحايدة" مثلما يفعل السكين.. السكين لن يكافئك إن قطعت به الفاكهة أو امتنعت عن استخدامه لقتل شخص ما، لكن الإنترنت سوف يفعلها عندما يكافئ صانع المحتوى الأكثر جذبًا للانتباه، وبغض النظر عن جودته. 

المشكلة التي تتبدى عند مناقشة هذا الأمر هي تفرق الدم بين القبائل! وتبعثر المسئولية بين المستخدمين، ومنشئي المحتوى، وشركات التكنولوجيا، وصناع السياسات، ومطالبة الجميع بالبحث والعمل والتعاون والإخلاص والتفاني في إيجاد وسيلة ما –لا ندري ما هي- تضمن أن تظل التكنولوجيا وسيلة لبناء الإنسان لا لاستغلال انتباهه وإثارة غرائزه!!!

لكن من يبالي لذلك؟! من يمكنه أن يوقف الشباب أو يلومه إن هو بحث عن وسيلة سريعة لتحقيق الربح؟! من يلومه وهو يرى -ونحن نجلس إلى جانبه مكتوفي الأيدي– من يكسب المال لمجرد ظهوره على الشاشة عاريًا، أو مع زوجته وأبنائه وهم يطبخون أو يلعبون في المنزل، وآخر أصبحت مهنته أن يحرك وجهه على نغمات أغنية مشهورة، وهذا يرتدي ملابس غريبة، وآخر يقلد الناس، وآخر يقوم بعمل مقالب غاية في الرذالة في الشارع......إلخ من الرذائل التي أصبحت تحيط بنا من خلال العالم الرقمي الذي استباح كل شيء، وكأنه يجتهد في إثبات تفوقه علينا وفرض شروطه وقواعده على واقعنا الذي بات أسيرًا له ولصناع محتواه. 

من يلوم الشباب وقد أصبحوا محاطين بهؤلاء؟! كيف نلومهم وهم يجتهدون ويسعون ويتعبون، ثم يجدون من يجني المال من الهواء؛ لمجرد أنه قد آمن واقتنع وردد بكل جوارحه شعار العصر: نموت نموت ويحيا اللايك والشير.. لطفك يا رب!!

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة