قيل في الأثر، إن فلاحاً، يحرث الأرض، لما رأى نبي الله سليمان، عليه السلام، في موكبه المهيب، وبساطه الفريد، تحمله الريح، محاطاً بالإنس والجن والطير. فلما اقترب الموكب من الفلاح، أظلمت الدنيا فجأة، رغم أنها مازالت نهاراً، إذ حجبت هذه التشريفة العظيمة، ضوء الشمس! فقال الفلاح في نفسه: لقد آتي الله آل داود ملكاً عظيماً.
نقلت الريح كلام الفلاح لسليمان، فقرر الهبوط فوراً، وتوقف عند الفلاح وسأله: ماذا قلتَ؟ قال قلتُ: لقد آتي الله آل داود ملكاً عظيماً، فتبسم سليمان وقال، أتعلم أن تسبيحة وتكبيرة وتحميدة منك، خلف محراثك، وأنت تعمل في سبيل الله، خير من مُلك آل داود كله!
ثم يأتي فلاح آخر، يشهد موكباً مماثلاً لسليمان، لا يختلف في عظمته عن سابقيه، فيقول هذا الفلاح في نفسه: لو جاءني سليمان، لكلمتُه بكلمات! فأوحي الله تعالي إلي سليمان، اذهب إلى الفلاح الفلاني، فعنده كلام يود أن يخبرك به.
يذهب سليمان فوراً للفلاح، ويتوقف أمامه، ويسأله، ما الكلمات التي وددتَ أن تُخبرني بها، قال الفلاح: مَنْ أنبأك؟ رد سليمان: الله!
قال الفلاح لسليمان، لقد قلتُ في نفسي: سليمان ليس في لذة لذها أمس! ولا أنا في تعب تعبتُه أمس! فالاثنان مضيا، وأصبح ماضينا، أنا وسليمان، واحداً!
وقلتُ في نفسي: أنا سأموت، وسليمان سيموت، فمستقبلنا أيضاً واحد!
وقلتُ في نفسي، مُطمئناً إياها: سليمان مُحَاسب علي كل شيء، وأنا لا أُحاسب إلا على نفسي!
هذا سليمان ابن داود، عليهما السلام، كانا ملكين نبيين، امتلكا الدنيا بما فيها، ومَنْ فيها، وتعلما لغة الطير، وسخر الله لهما الجبال والريح، والجن والشياطين.
﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَايَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ طلب سليمان المغفرة أولاً، ثم طلب المُلك الفريد، الذي لا يكون لغيره، فاستجاب الله له، وكان له ما أراد.
سليمان يعلم حقيقة الدنيا تماماً، يعلم أنها عَرَض زائل، وعارية مستردة، سليمان يتحلى بآداب الأنبياء، وأخلاق المرسلين، إذ خُيرَ، قبل ذلك، بين العلم والمال والملك، فاختارَ العلمَ، فأُعطيَ المال والملك معه..
آل داود، أصحاب المملكة الأعظم، في تاريخ الإنسانية كلها، لم يشغلهم مُلكهم العظيم، عن تعمير الكون، والعمل على كسب الرزق! قال رسول الله، صلي الله عليه وسلم: مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ..
لماذا داود، يا رسول الله تحديداً؟
لأنه لو كان بمقدور أحد أن يترك العمل لغناه، لكان داود من باب أولي، لكنه لم يفعل.
ذات يوم، قال ابن السماك لهارون الرشيد: يا هارونُ! أسألُك باللهِ، لو مُنِعْتَ شَربةَ ماءٍ، أتفتديها بنصف مُلكك؟
قال: إي واللهِ، فلما شَرِبَ، قال: يا هارونُ! أسألُك باللهِ، لو مُنِعْتَ إخراجَها، أتفتدي ذلك أيضاً بنصف مُلكك؟ قال: إي واللهِ، قال: لا خيرَ في مُلكٍ لا يساوي شَربةَ ماءٍ!
هو نفسُه هارون الرشيد، في سكرات الموت، يقول، وهو يبكي بُكاءً، تنخلع له القلوب: يا مَنْ لا يزولُ ملكُه، إرحمْ مَنْ قد زالَ ملكُه، فما زالَ يرددُها، حتى فارقَ الدُنيا.
ولذلك، لا تبكِ على الدنيا، ولا تجزع لتقلباتها، وكُنْ كالحديد لا تحرقه النار، بل تزيده صلابة.
نحن جميعاً من الله، ولله، وهو جل شأنه العدل، الذي لا يظلم أحداً.
عش في هذه الدنيا، قرير العين، مطمئن القلب، خذها بخيرها وشرها، خذها كما هي، إن أعطتْ شكرتَ، وإن منعتْ صبرتَ، ولا تُعلق آمالك بها، بل بالآخرة، فالآخرة يقيناً، هي الأجمل والأعظم والأبقى.