"سر الفراعنة" في الحياة الدنيا والحياة الابقي، لا يزال مجهولا، ولا يعلمه سوى الخالق سبحانه..
ولكن ما لم يظل سرًا، وبات حقيقة تسطع على وجه الأرض، هو ميراث هؤلاء الأجداد "قدماء المصريين"، والذي وصل إلينا عبر أوراق "نبات البردي"، وحفر على لوحات المعابد وسجلته ونقلته الرسائل الجرانيتية التي صنعها الأجداد.
فمن الذي نادى بالتوحيد وسلامة العقيدة، ومن أسس قواعد الأخلاق، ومن وضع اعمدة الحضارة الإنسانية، ومن وضع التقويم الشمسي، ومن الذي طور وابتكر أساليب الزراعة وهندسة الري، وكذلك العمارة والطب والزراعة، الإجابة نعلمها جميعًا في الخارج قبل الداخل.
وسيلة وصول هذه القيم والمعارف والعلوم الينا، هي رسالة في ذاتها، فقد فتش المصريون القدماء عن وسيلة أكثر مرونة، بجانب الجرانيت والصخور والتماثيل، وسيلة تمكنهم من صون وحفظ ذاكرة الأمة، لتوصيل علومهم ومعارفهم إلى الناس وحفظ وادارة وتوثيق التراث الإنساني، وما توصلوا اليه كان نقطة تحول للبشرية، ليكتشفوا اوراق "نبات البردي"، الذي اتاح لهم صناعة اول اوراق عرفها التاريخ الإنساني، فضلا عن أنه يسر ومكن القدماء من كتابة وشرح تجاربهم وتوصيل علومهم إلينا، وهناك حكمة مأثورة تقول: "لولا البرديات لتاهت السرديات".
نعم.. فقد ظل هذا النبات المؤرخ الأمين والناقل لحضارة القدماء إلى الأحفاد عبر آلاف السنين، بعد انتشار استخدامه وصناعته، إلى ان توارت هذه الصناعة مع تقادم الوسائل والصناعات، تختفي حرفة "صناعة الورق من نبات البردي"، من مدن مصر وقراها، لكنها عادت مجددا في محافظة الشرقية في "قرية القراموص" مركز أبو كبير، والتي تحول نشاط ابنائها وارضها إلى خلية مخصصة للبردي، وورشة عمل متواصلة لزراعة نبات البردي وإعداده للصناعة، ليعود مجددًا، متباهيًا بقدرته الاقتصادية والاجتماعية والجمالية والحرفية والصحية، ويجدد عهده للأجيال الجديدة بمواصلة رسالته القديمة والمستدامة أيضًا، بعد ان أطلقت "مؤسسة المنتدى الدولي للفن التشكيلي من أجل التنمية “ WAFD -، بالشراكة مع محافظة الشرقية وبنك الإسكندرية، النسخة الثانية من مشروع "من البردي الأخضر إلى الفن الخالد"، بمحافظة الشرقية، منتصف يوليو الحالي، بهدف إنقاذ وبعث نبات البردي وتعزيز اقتصادياته، فضلًا عن حماية التراث الحضاري، وتعزيز مفاهيم التنمية المستدامة، وربط الجدوى الاقتصادية بالاستدامة البيئية.
وتوضح سفيرة التنمية المستدامة راندا فؤاد، مؤسس ورئيس مؤسسة المنتدى الدولي للفن التشكيلي من أجل التنمية، ان اعادة إحياء مشروع البردي في حياتنا يعد مكسبا لكل المستويات، ونموذجًا يجمع بين الحفاظ على التراث وتحقيق التنمية المستدامة، وإعادة دمجه بالاقتصاد والإبداع المعاصر، بما يخلق قيمة حقيقية للمزارعين والحرفيين، ويفتح أمامهم أسواقًا وفرصًا جديدة، نفخر بشراكتنا الإستراتيجية مع بنك الإسكندرية، وتعاوننا مع محافظة الشرقية، لما يجسده هذا التعاون من إيمان مشترك بأن التراث يمكن أن يكون محركًا للتنمية الاقتصادية والثقافية، وأن الاستثمار في الإنسان هو الضمان الحقيقي لاستدامة هذا الإرث المصري الفريد.
من المعلومات الجديدة في استخدامات البردي، هو انه اعتمد عليه، خلال الفتح الإسلامي لمصر، في كتابة الوثائق والرسائل على ورق البردي، كما ان العديد من مهندسي الديكور يستخدمون هذا النبات في أعمالهم عبر صناعة قطع صغيرة من البردي بتقنية خاصة، حتى مصممي الأزياء يتجهون اليوم لتصميم أزياء باستخدام نبات البردي، ويعد أحد النباتات التي تعيش في بيئات قاسية شديدة الجفاف، ويعتبر من النباتات الطفيلية التي تعتمد على نباتات أخرى للبقاء على قيد الحياة، مما يثبت أن لديه القدرة على المساهمة في الحفاظ على التنوع البيولوجي، ويعد أساسيًا للنظام البيئي بالمناطق الصحراوية، حيث يلعب دورًا مؤثرًا في توازن النظام البيئي.
ويمتلك هذا النبات قدرة خاصة على امتصاص جميع أنواع الملوثات وتقليل أعداد البكتيريا، حيث يرفع النسبة المتوافرة من الأكسجين، ويحول مادة النيتروجين السامة إلى مادة خالية من السموم.
أيضًا لهذا النبات دورٌ مهمٌ في صناعة الحرف اليدوية الصديقة للبيئة مثل السلال والقبعات والعناصر الزخرفية، مما يدعم الحرفيين المحليين ويوفر فرص عمل جديدة، يمكن للحرف اليدوية القائمة على ورق البردي بعمل مبادرات للسياحة البيئية عبر اللوحات التي تساهم في دعم السياحة والاقتصاديات المحلية، كما تستخدم نبتة البردي في الطب التقليدي للعلاج من عدد من الأمراض، حيث تقلل من خطر الإصابة بأمراض الأسنان واللثة والقروح الخبيثة في الفم، وتعالج أمراض القولون، وتمنع الإصابة بالزكام ونزلات البرد، كما تعالج أمراض الطحال.
ومع تنوع الاستخدامات لنبات البردي تتعدد فوائده البيئية والصحية والاقتصادية والجمالية، عبر البحث عن المزيد من مزاياه والاستفادة منها ليلقي الضوء على إمكانات البردي للمساهمة في التنمية المستدامة والحفاظ على البيئة ورفاهية المجتمع، والحفاظ على التنوع الإنساني والبيولوجي، وتنشيط التنوع الثقافي أيضًا.
ومن بين الاقتراحات هناك مبادرة لإطلاق مؤشر بعنوان "مؤشر البردي"، يجسد تكامل أطراف وكيانات ووزارات معنية بهذا النبات الفرعوني الخالص، مثل الزراعة، والصناعة، والصحة، والري، والبيئة، والسياحة، بتعزيز انتشاره ورعايته، للاستفادة منه في تعزيز المكون الوطني المتفرد والمتميز للصناعة المصرية، محليًا وخارجيًا، فضلاً عن الترويج لنبات لا ينبت إلا في أرض المحروسة، لم ندرك حتى اليوم مدى أهميته في مجالات الحياة المتعددة، ومازلنا نكتشف له فوائد واستخدامات عديدة.
[email protected]