لا يبدو المشهد في الخليج مبشرًا بانفراج قريب، بل بالعكس يتزايد التصعيد، وتتوسع قائمة الأهداف المطلوب ضربها لدى واشنطن وطهران. إلا أن ثمة أمرًا واحدًا مؤكدًا؛ وهو مأزق القوة الأمريكية وعجزها عن الحسم، وارتفاع تكلفة الحرب على الجميع.
مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى توظيف الضربات العسكرية المحدودة كأداة لإدارة الأزمة مع إيران، بدا وكأن واشنطن تستعيد إحدى أكثر إستراتيجياتها استخدامًا منذ نهاية الحرب الباردة: وضع الخصم أمام خيارين، كلاهما يؤدي إلى الخسارة. فإما قبول الشروط الأمريكية، أو مواجهة عقوبات أشد وضربات عسكرية وضغوط سياسية متواصلة.
غير أن التجربة الإيرانية تشير إلى أن هذه السياسة، التي نجحت في مراحل سابقة، باتت تواجه حدودًا واضحة في عالم لم يعد أحادي القطب.
ولعل اللافت أن هذا التقييم لا يقتصر على خصوم الولايات المتحدة، بل يرد أيضًا في أدبيات مراكز الفكر الأمريكية. فقد خلص مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS)، في تحليل نُشر في 23 يونيو 2025، إلى أن: "حملة الضغط الأقصى لم تُنهِ التحدي الإيراني، بل أدخلت الصراع مرحلة جديدة تتطلب إستراتيجية تتجاوز الاعتماد على العقوبات أو القوة العسكرية وحدهما.
ويعكس هذا التقدير إدراكًا متزايدًا داخل دوائر صنع القرار الأمريكية بأن أدوات الضغط، مهما بلغت قوتها، لا تكفي وحدها لتحقيق أهداف سياسية بعيدة المدى.
وتكشف الأزمة الإيرانية أن المشكلة لا تكمن في قدرة الولايات المتحدة على توجيه ضربات دقيقة أو فرض عقوبات واسعة، وإنما في قدرتها على تحويل هذا التفوق إلى مكاسب إستراتيجية دائمة؛ فقد تؤخر الضربات العسكرية برنامجًا، والعقوبات قد ترهق اقتصادًا، لكنها لا تضمن بالضرورة تغيير حسابات الخصم أو إعادة تشكيل البيئة السياسية التي يتحرك فيها.
بل إن إيران، رغم الخسائر التي تكبدتها، تمكنت من ا لحفاظ على تماسك مؤسساتها، واستمرت في توظيف شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية لتقليل آثار الضغوط.
وفي المقابل، وجدت واشنطن نفسها أمام معضلة معقدة؛ فالتصعيد المستمر يرفع كلفة الانخراط العسكري، بينما يبدو التراجع من دون تحقيق الأهداف المعلنة وكأنه اعتراف بعدم فعالية سياسة "الضغط الأقصى".
وهنا يتحول فخ "الخيارات الخاسرة" من أداة للضغط على الخصم إلى قيد يحد من حرية حركة من صاغ هذه الإستراتيجية.
ولم تتوقف آثار هذه السياسة عند إيران. فقد دفعت سنوات الضغوط كثيرًا من القوى الدولية والإقليمية إلى البحث عن بدائل اقتصادية ومالية، وتعزيز علاقاتها مع قوى صاعدة، وتقليص اعتمادها على طرف واحد.
وبذلك، أصبحت سياسة الإكراه، التي هدفت إلى تكريس النفوذ الأمريكي، أحد العوامل التي سرعت البحث عن بدائل لهذا النفوذ.
ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة خسرت المواجهة أو أن إيران خرجت منتصرة. فالطرفان دفعا أثمانًا كبيرة. لكن السياسة الإستراتيجية لا تُقاس بحجم الخسائر التي لحقت بالخصم، بل بمدى تحقيق الأهداف التي انطلقت من أجلها.
وإذا بقي البرنامج النووي الإيراني قضية مفتوحة، واستمر النفوذ الإيراني حاضرًا في معادلات الإقليم، واستمر البحث الدولي عن بدائل للنظام الذي تقوده واشنطن، فإن السؤال يصبح مشروعًا: هل حققت سياسة "الخيارات الخاسرة" الغاية التي وُضعت من أجلها؟!
لعل الدرس الأهم من الأزمة الإيرانية هو أن القوة العسكرية تستطيع فرض وقائع ميدانية، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج نظام سياسي جديد أو تسوية مستقرة. ففي عالم تتعدد فيه مراكز القوة، لم يعد من السهل إجبار الدول على الاختيار بين بديلين تفرضهما قوة واحدة. وغالبًا ما يسعى الخصم إلى ابتكار خيار ثالث، ولو كان أكثر كلفة على المدى القصير، إذا كان يراه أكثر أمنًا على المدى البعيد.
وربما يكون السؤال الأكثر أهمية الآن هو: إلى أين يتجه الصراع الأمريكي الإيراني؟ تشير المؤشرات إلى أن الطرفين لا يرغبان في حرب شاملة، لكنهما لا يملكان أيضًا صيغة مستقرة لإنهاء المواجهة.
فالولايات المتحدة تدرك أن أي حرب واسعة مع إيران ستتجاوز حدود الملف النووي، لتشمل أمن الخليج، وحركة الملاحة في مضيق هرمز، وأسواق الطاقة، وربما مصالحها العسكرية في المنطقة.
وفي المقابل، تدرك طهران أن الدخول في مواجهة مفتوحة مع القوة العسكرية الأكبر في العالم قد يهدد استقرارها الداخلي، ويستنزف قدراتها الاقتصادية. لذلك، يبدو أن الطرفين يتجهان نحو نموذج جديد من الصراع يقوم على الضربات المحدودة، والردع المتبادل، والعمليات السيبرانية، والضغوط الاقتصادية، والمفاوضات غير المباشرة، من دون الانتقال إلى حرب شاملة أو سلام دائم.
إنها منطقة رمادية بين الحرب والدبلوماسية، قد تطول لسنوات، وتصبح السمة الغالبة للعلاقة بين البلدين.
وهذا التقدير لا يقتصر على التحليلات السياسية، بل تؤيده أيضًا مراكز الفكر الأمريكية. فقد حذر مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) من أن مستقبل الأزمة لن يتحدد فقط بحجم الأضرار التي لحقت بالمنشآت الإيرانية، بل أيضًا بكيفية إدراك طهران لاحتياجاتها الأمنية بعد الضربات، وبمواقف القوى الدولية، وبقدرة الدبلوماسية على منع تحول الأزمة إلى سباق تسلح نووي جديد.
وأكد المركز أن "مستقبل البرنامج النووي الإيراني والمخاطر النووية في المنطقة سيعتمد على نجاح الضربات، والاستجابة الدولية، وما إذا كانت طهران ستعتبر امتلاك السلاح النووي ضرورة أمنية." ( What Do the Israeli Strikes Mean for Iran's Nuclear Program؟، تحليل منشور في 13 يونيو 2025).
ومن هنا، فإن تعثر المواجهة الأمريكية حتى الآن لا يعني نهاية الصراع، بل انتقاله إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، يصبح فيها الصبر الإستراتيجي، واستنزاف الإرادة السياسية، أكثر تأثيرًا من التفوق العسكري وحده.
وربما تكون هذه هي المفارقة الكبرى في الأزمة الإيرانية: فكلما طال أمد المواجهة، تراجعت فرص الحسم العسكري، وازدادت أهمية التسويات السياسية التي حاولت جميع الأطراف، حتى الآن، تأجيلها.
ومن هنا، قد لا تكون الخسارة الأمريكية في إيران عسكرية، بل إستراتيجية. فواشنطن ما زالت تمتلك أكبر قدرات عسكرية واقتصادية في العالم، لكنها تواجه واقعًا جديدًا أصبحت فيه القدرة على فرض الخيارات أقل فعالية مما كانت عليه قبل عقدين. وربما لهذا السبب، تكشف الأزمة الإيرانية عن حاجة الولايات المتحدة إلى مراجعة فلسفة إدارة الصراعات، والانتقال من سياسة تقوم على تضييق خيارات الآخرين إلى سياسة توسع فرص التسويات، لأن النفوذ المستدام لا يُبنى بالقوة وحدها، بل أيضًا بالقدرة على تقديم حلول يراها الآخرون أكثر جدوى من استمرار المواجهة.
وأحسب أن الطرف الإيراني عليه أن يتعامل بواقعية أكثر، وأن يدرك أنه لا يخسر جيرانه في الخليج فقط، بل بقية العالم العربي الذي يتعاطف مع مواطني الخليج العربي.