انتهى كأس العالم بأيامه ولياليه الطويلة. فاز مَن فاز. وخسر مَن خسر. فرح مَن فرح. وبكى مَن بكى. لكن شيئًا ما يبقى، أو الأدق: أشياء كثيرة.
بالنسبة لي، تُعد هذه البطولة أهم حدث رياضي في تاريخ الكرة المصرية، نقطة الانطلاق الحقيقية، البداية، ولكن كيف تأتي هذه البداية؟ تلك هي المسألة!
إن كانت لي من فلسفة في الدنيا، برغم أنني لستُ فيلسوفًا، فستكون هي «التوازن». التوازن في رأيي هو سر الحياة. جرَّبتُه كثيرًا فكان دومًا نافعًا.
كان دافعًا لأن أستبعد من بوتقة فكري ما أراه أحيانًا من آراء حادة، شاذة، متطرفة، فلا يلتفت إليها نظري أو أضيع معها وقت عقلي، مهما ترددتْ بين الناس أو أثارت حولها الجدل، ومهما يكن صاحب الرأي صحفيًّا أو إعلاميًّا أو مثقفًا، إذ لا يُشترَط أن يكون كلامه مهمًّا أو جديرًا بالمناقشة، فهناك «بدعة» اسمها التخصص ودراسة الملف بعناية قبل الحديث فيه، لا يلتفت إليها كثيرون للأسف!
والتوازن كان مفيدًا لي أيضًا فيما هو أهم، إذ كثيرًا ما يبدو لنا رأيٌ ما منطقيًّا ومتماسكًا، نراه هكذا للوهلة الأولى، لكنني عندئذ أحاول وضع نفسي، وعقلي، على الضفة الأخرى، لأنظر من زاوية مقابلة، فتكون المفاجأة؛ أجد في الرأي الآخر منطقًا أيضًا في بعض جوانبه. وهكذا؛ من محصلة ما يتجمع أمامي من منطق وعقلانية في الرأيين المتناقضين أجدني أخرج برأي جديد، ثالث، متوازن، يرضي عقلي، وضميري.
ليتنا نطبق فلسفة «التوازن» في حياتنا كلها.. وظني أن سر نجاح المنتخب المصري في المونديال الأخير كان هو التوازن الذي حَكَم مسارنا كله في البطولة.
خاض رجال المنتخب التجربة، ضمن منظومة المدرب الوطني حسام حسن، على أساس هذه الفلسفة؛ التوازن بين الواقعية والحلم، الخطة والروح، الهجوم والدفاع، بين إدراك فروق القدرات والإمكانات والعمل على إذابتها بفكر وشجاعة. لماذا لا؟! صحيحٌ أن التاريخ حاكم، لكن الأمم تُغير تاريخها عندما تعرف بدقة من أين تنطلق، وكيف تبدأ.
وهذا ما يبقى. هذا ما يجب أن نعمل عليه في المرحلة المقبلة، بتوازن أيضًا، بين السعادة الكبرى بما تحقق والأهمية القصوى للبناء عليه. ينبغي - بل يجب- أن نستغل اللحظة الراهنة، ألا نُفلِتها من بين أيدينا. إن أفلتت فلن تعود قريبًا. ينبغي -بل يجب- أن نعي هذا، وأن نعمل بضمير لمستقبل البلد.
«مستقبل البلد؟!».. نعم.. كرة القدم لم تعد مجرد لعبة. ليست مجرد لهو يشغلون به الناس عن الجد. كرة القدم صناعة واستثمار وسياحة، وبالطبع قوة ناعمة. فلنعمل فيها بجد. ولنتعلم من التجارب الناجحة. ما العيب؟! الحياة خبرات متراكمة ومعرفة مضافة.
تجربة المغرب الشقيق مثلًا كم هي ملهمة! غاب المنتخب المغربي عن المشاركة في نهائيات كأس العالم عشرين عامًا كاملة. تخيل! شارك في مونديال فرنسا 1998 ولم يعد بعدها إلا في روسيا 2018، وفي البطولة التالية مباشرة، 2022 في قطر، حقق المركز الرابع على العالم. فما الذي جرى؟!
ما جرى لم يكن صدفة أو مفاجأة. كان نتاج تخطيط دقيق وعمل لسنوات، شمل إقامة مئات الملاعب في مختلف المدن لتيسير اكتشاف المواهب وتطويرها، وإنشاء أكاديمية محمد السادس لكرة القدم عام 2009 بمبادرة من العاهل المغربي شخصيًّا، ضمن رؤية إستراتيجية تهدف إلى الاستثمار في صغار الموهوبين، بإعدادهم رياضيًّا وتعليميًّا وصحيًّا ونفسيًّا ليكونوا لاعبين محترفين عالميين، يفيدون بلادهم، مع فتح ملف اللاعبين المغاربة بالخارج من مزدوجي الجنسية، لمتابعتهم والتواصل مع المتميزين منهم لضمهم للمنتخب.
ليس ذلك فحسب.. إنما تم تطوير المسابقة المحلية لتكون وفق المعايير الاحترافية الحقيقية، ووضعت «الجامعة المغربية» (اتحاد الكرة) بنودًا للأندية طالبتها بتنفيذها، منها توفير موارد مالية كافية، وتحسين البنى التحتية وتطوير مراكز الناشئين والفئات السنِّية، كما تم العمل على تنظيم عقود الاحتراف لضمان حقوق مختلف الأطراف من لاعبين ومدربين وأندية.
لذلك كله؛ لم يكن غريبًا أن يصل المنتخب المغربي إلى المربع الذهبي في مونديال قطر، وإلى دور الثمانية في بطولة كأس العالم الأخيرة، وأن يشارك المغرب الحبيب في تنظيم المونديال المقبل 2030 مع البرتغال وإسبانيا.
ولن يكون غريبًا أيضًا، بالنسبة لنا في مصر، أن نشارك بإذن الله تعالى بعد أربع سنوات في هذه البطولة، وأن نتطلع فيها إلى الأفضل، إن بدأنا العمل من الآن؛ من اللحظة، أما إن ظللنا مشغولين بصراعات الأهلي والزمالك، وخبايا انتقالات اللاعبين، وما هو حاد وغريب من تحليلات المحللين، فلسوف نبقى كما نحن؛ «محلك سِر».. والاختيار لنا.
أخيرًا.. بفعل تأثير متعة مشاهدة مباريات المنتخب الوطني كنتُ أقول لابني: انتبه.. هذه لحظات تاريخية شاء لنا القدر أن نعيشها.. وكما أحكي لك أحيانًا عن أحداث فارقة شهدتُها في حياتي؛ فلسوف تحكي أنت لأبنائك غدًا عما جرى في مونديال 2026.
المهم.. المهم -أكرر- أن نبدأ العمل، بهدوء وتخطيط، بضمير، وأن نتوازن في حكمنا على الأمور. التوازن سر الحياة. لا بديل عنه حتى يمكننا العيش بسعادة. وكرة القدم صورة مصغرة من الدنيا، انعكاسٌ لصراع الإنسان فيها. انتهى كأس العالم. والآن نبدأ العمل..