21-7-2026 | 15:53

شيدت مصر سياساتها وتوجهاتها الجديدة تجاه إفريقيا خلال السنوات الماضية بالارتكاز على رؤية إستراتيجية شاملة ومحكمة للغاية، محورها الرئيس هو مد يد التعاون والعون للأفارقة بما يحقق ويلبي المصالح المشتركة للجميع، وأنها لن تدخر وسعًا ولا جهدًا للوقوف كتفًا بكتف إلى جوار الشعوب الإفريقية الباحثة عن التنمية الاقتصادية والرخاء والاستقرار والقدرة على مواجهة الأزمات العاصفة إقليميًا ودوليًا.  

أما الجناح الآخر لهذه الإستراتيجية، فهو الحفاظ على أمن مصر المائي غير القابل للتفريط ولا المساومة، ويتم التحرك فيه بحكمة واتزان وحزم واضح للعيان، وقد دللت التطورات الجارية حتى الآن في هذا الملف المصيري والحيوي على صواب التوجه الذي حددته القيادة السياسية، وكفاءة دبلوماسيتها. 

وجاءت الحصيلة العملية لهذه الإستراتيجية متمثلة في توثيق العلاقات المصرية الإفريقية، وتزويد البلدان الإفريقية بخبرات مصرية كفؤة في مجالات متعددة، لا سيما في القطاع الطبي، وتشييد السدود، ومحطات الكهرباء، واستصلاح الأراضي الزراعية، وغيرها من القطاعات، فضلاً عن استعادة مصر مكانتها كقوة فاعلة ومؤثرة في الشأن الإفريقي، ولا نبالغ ولا نتجاوز إن قلنا إنها باتت الصوت المعبر عن هموم وشواغل القارة السمراء بالمحافل والمنتديات الدولية. 

وبما أن الحديث في مجالات التعاون المصرية الإفريقية تطرق إلى السدود، فلا بد من التوقف كثيرًا عند هذه الجزئية على وجه الخصوص، لأنها تمثل درة التاج وملحمة يتحتم سرد بعض تفاصيلها المبهرة، الدالة على ما بلغته العمالة والعقول المصرية من تطور وكفاءة لا تعرف كلمة المستحيل في عملها، وما يُوكل إليها من مهام، مهما كانت التحديات والصعوبات ماثلة أمامها.

ووقع اختياري تحديدًا على سد ومحطة "جوليوس نيريري" لتوليد الطاقة في تنزانيا، الذي نفذه تحالف مصري مكون من شركتي "المقاولون العرب" و"السويدي إليكتريك"، وبلغت تكلفته 2.9 مليار دولار.

فقد صمم السد لتوليد  طاقة كهربائية بقدرة 2115 ميجاوات، ستوفر بدورها احتياجات تنزانيا من الطاقة الكهربائية، ويصل طوله إلى 1036 مترًا عند القمة وله 7 مخارج للمياه  بجانب التحكم في تصرفات المياه طوال العام، بما في ذلك فترات الفيضان. 

ومن ثم سيكون تحت يد الحكومة التنزانية ما يلزمها من مياه تلبي احتياجاتها لأغراض الزراعة والصيد والحفاظ على الحياة البرية في أكبر محمية طبيعية في إفريقيا، وواحدة من أكبر المحميات في العالم.
ويشكل إتمام بناء السد المقام على نهر "روفيجي" حدثًا فارقًا لتنزانيا، التي كانت تدرس تشييده منذ الستينيات من القرن العشرين، وها هو الحلم يتحقق بأيدي وسواعد المصريين الذين قدموا هدية ثمينة من مصر، هبة النيل، إلى الشعب التنزاني الصديق.

وخلال زيارته قبل يومين لتنزانيا، أكد الرئيس السيسي أن العلاقات الثنائية تمثل نموذجًا رائدًا للتكامل والتعاون الإفريقي، وتجسد نجاح مصر في تطوير هذه العلاقات، وتكثيف نقل الخبرات المصرية، وتطوير القدرات الوطنية في تنزانيا. كما شدد على أهمية الدور المحوري للقطاع الخاص في دفع علاقات الاستثمار بين الطرفين، وفتح مزيد من الأسواق لمنتجاتهما.

إن الرؤية المصرية تجاه إفريقيا تعتمد على أن مصر بوابة القارة، وعلى تعزيز مبدأ الاعتماد على الذات بواسطة دعم التصنيع المحلي، وتطوير السياسات النقدية والمصرفية، وتشجيع الاستثمارات والشراكات بين القطاعين العام والخاص، علاوة على السعي إلى تشكيل كتلة اقتصادية إفريقية قوية تمتلك كل المقومات اللازمة للمنافسة عالميًا، وذلك عبر تدعيم التجارة البينية بين الدول الإفريقية، التي بإمكانها التحول إلى مركز إنتاج صناعي ضخم. 

وبطبيعة الحال، ثمة فرصة سانحة وذهبية لبلوغ هذه الغاية، شريطة التخلص من الهشاشة السياسية والأمنية والاقتصادية والمالية التي تعاني منها بعض دول القارة السمراء، وهو ما تدركه مصر التي تحاول نقل تجاربها التنموية في ربوع إفريقيا ومساعدتها على مجابهة تحدياتها ومشكلاتها. بالإضافة إلى حسن إدارة وتوظيف الموارد البشرية والطبيعية التي تزخر بها القارة، وأن تعزز من استقرارها والعوامل المساعدة عليه، وتوطين التنمية. 

لقد قدمت مصر، عبر مواقفها وقراراتها حيال إفريقيا، ما يؤكد ويدعم، بما لا يدع مجالا للشك، أنها تسعى دائمًا إلى شراكة إيجابية مع الأطراف الإفريقية تعود بالفائدة على الجميع، وأنها منفتحة على التعاون المثمر والبناء، وتمكين دول القارة من تحقيق معادلة الاستقرار والتقدم وتعظيم الاستفادة من مواردها البشرية والطبيعية المتنوعة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
مصر بوابة إفريقيا

نجحت الدولة المصرية في تعويض سنوات الغياب الطوعي عن إفريقيا، التي بدأت منتصف التسعينيات من القرن العشرين إبان عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، وسدت بإحكام