مصر وتركيا.. تفاهمات إستراتيجية

21-7-2026 | 14:27

ليست قيمة ما جرى بين القاهرة وأنقرة خلال العامين الماضيين في أن سفيرًا عاد إلى موقعه، أو أن رئيسين أو وزيري دفاع تبادلا الزيارات، أو حتى أن مجلسًا للتعاون الإستراتيجي قد أُنشئ. فهذه كلها نتائج، أما القصة الحقيقية فتبدأ من مكان آخر. من إدراك متبادل بين القاهرة وأنقرة بأن الشرق الأوسط الذي عرفناه خلال العقد الماضي لم يعد قائمًا، وأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تزداد فيها قدرة القوى الإقليمية على إدارة أزماتها وتوازناتها بنفسها.

ولذلك، فإن التقارب المصري-التركي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية لخلاف سياسي استمر سنوات، وإنما باعتباره بداية لمحاولة إعادة ترتيب الإقليم من داخله. فقد اكتشفت القاهرة وأنقرة، كلٌ بطريقته، أن كلفة الصراع أصبحت أكبر من عائداته، وأن إدارة المنافسة أصبحت أكثر جدوى من الاستمرار في منطق المواجهة.

ولعل السودان هو الاختبار الأول لهذه المرحلة. فبالنسبة لمصر، لا يمثل السودان دولة مجاورة فحسب، بل جزءٌ من منظومة أمنها القومي، بما يرتبط به من مياه النيل والحدود الجنوبية وأمن البحر الأحمر. أما تركيا، فقد أصبحت خلال العقدين الأخيرين طرفًا حاضرًا في المعادلة السودانية سياسيًا واقتصاديًا. وإذا نجحت القاهرة وأنقرة في تنسيق مواقفهما بما يدعم وحدة الدولة السودانية، ويحد من التدخلات الخارجية، ويفتح الطريق نحو إنهاء الحرب، فإن ذلك سيكون أول دليل على أن تفاهماتهما تجاوزت العلاقات الثنائية إلى المشاركة في إنتاج الاستقرار الإقليمي.

والأمر نفسه ينطبق على ليبيا، التي كانت حتى وقت قريب إحدى أكثر ساحات التنافس حدة بين البلدين. الجديد اليوم ليس اختفاء الخلافات، وإنما إدارتها بالحوار بدلاً من الصدام، وبالتنسيق بدلاً من المواجهة. فقد أصبح واضحًا للطرفين أن استقرار ليبيا مصلحة مشتركة، وأن استمرارها كساحة للصراعات بالوكالة لا يخدم أحدًا.

وفي سوريا، ربما لا تزال مساحات الاختلاف قائمة، لكن مساحات الاتفاق أخذت تتسع أيضًا، خصوصًا فيما يتعلق بالحفاظ على وحدة الدولة السورية، ومنع تفكك مؤسساتها، ومواجهة التنظيمات الإرهابية. وربما كانت القيمة الحقيقية هنا ليست في الاتفاق الكامل، وإنما في وجود قنوات اتصال تحول دون أن تتحول الخلافات إلى أزمات جديدة.

أما القرن الإفريقي، حيث يتقاطع الأمن المصري مع الحضور التركي المتنامي في الصومال، فإنه يقدم نموذجًا مختلفًا. فبدلاً من التنافس المفتوح، بدأت تبرز ملامح ما يمكن تسميته "التعاون التنافسي"؛ حيث يحتفظ كل طرف بمصالحه، لكنه يعمل في الوقت نفسه على منع تحول المنافسة إلى صدام، وعلى حماية أمن البحر الأحمر واستقرار الصومال باعتبارهما مصلحة مشتركة.

ولم يعد التعاون يقتصر على السياسة وحدها، بل امتد إلى المجالين العسكري والأمني من خلال الزيارات المتبادلة والتدريبات المشتركة. وهذه ليست مجرد إجراءات لبناء الثقة، وإنما آليات عملية لتقليل احتمالات سوء التقدير، وتعزيز القدرة على مواجهة الإرهاب، والهجرة غير الشرعية، والتهديدات المتزايدة لأمن البحر الأحمر وشرق المتوسط.

ويبقى شرق المتوسط هو الملف الأكثر حساسية. فقد كان أحد أبرز أسباب التوتر خلال العقد الماضي، لكنه قد يصبح أحد أهم مجالات التفاهم خلال العقد المقبل. وليس المقصود بذلك إعادة رسم التحالفات أو المساس بالشراكات المصرية مع اليونان وقبرص، وإنما إدارة الخلافات بصورة تمنع تحولها إلى مصدر دائم للتوتر، وتفتح الباب أمام حوار هادئ حول الطاقة والحدود البحرية.

وتكتسب القضية الفلسطينية، ولاسيما الحرب في غزة، أهمية خاصة في هذا السياق. فمصر تمتلك أدوات الوساطة الرئيسية بحكم الجغرافيا والخبرة السياسية، بينما تمتلك تركيا شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية. وإذا تكامل هذان الدوران، فإن فرص وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، ورفض التهجير، ودعم إعادة الإعمار، تصبح أكبر بكثير مما يستطيع أي طرف تحقيقه منفردًا.

لكن السياسة، في النهاية، لا تعيش على التفاهمات السياسية وحدها، وإنما على المصالح الاقتصادية. وهنا تبدو التجارة والاستثمار والطاقة والنقل البحري والصناعة وسلاسل الإمداد والسياحة، وربما الصناعات الدفاعية أيضًا، هي القاعدة الصلبة التي تمنح هذا التقارب استدامته. فكلما اتسعت المصالح المشتركة، أصبحت العودة إلى الخلاف أكثر كلفة.

غير أن نجاح التفاهمات المصرية-التركية يظل مرهونًا بقدرته على الانتقال من إرادة القيادات السياسية إلى مؤسسات دائمة، عبر آليات منتظمة للحوار الأمني، ولجان مشتركة لملفات السودان وليبيا وشرق المتوسط، وأطر للتنسيق في البحر الأحمر، ومنصات تجمع مراكز الفكر ورجال الأعمال في البلدين.

فالسياسة لا تعرف صداقات كاملة، ولا تعرف أيضًا خصومات أبدية. وما تشهده العلاقات المصرية-التركية اليوم ليس تحالفًا بالمعنى التقليدي، كما أنه لا يعني اختفاء جميع الخلافات. لكنه يعبر عن تحول أكثر عمقًا، وانتقال من إدارة الخلاف بالمواجهة إلى إدارة المصالح بالحوار. وفي شرق أوسط تتغير خرائطه بوتيرة غير مسبوقة، قد يكون هذا التحول واحدًا من أهم ركائز الاستقرار في السنوات المقبلة، خاصة إذا ما امتدت هذه التفاهمات الإستراتيجية إلى المملكة العربية السعودية وباكستان وغيرها من الدول المحبة للسلام في العالم.

نائب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، وزميل كلية الدفاع الوطني في الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والإستراتيجية

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: