في سيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالٌ لم تكن بطولاتهم في ميادين القتال وحدها، بل ظهرت أيضًا في سرعة استجابتهم لأوامر الله، حتى إذا نزلت آية من القرآن، بادروا إلى تنفيذها دون تردد.
موضوعات مقترحة
ومن أروع هؤلاء أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه، الذي كان من أكثر الأنصار مالًا، فلما سمع قول الله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]، قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتصدق بأحب أمواله إليه، ليضرب مثالًا خالدًا في تقديم محبة الله على محبة المال.
ولم يكن أبو طلحة من أهل الإنفاق فقط، بل كان فارسًا شجاعًا، ومن أمهر رماة الأنصار، ومن أكثر الصحابة دفاعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم في أشد ساعات غزوة أحد، كما نال شرفًا آخر بزواجه من أم سليم رضي الله عنها، في واحدة من أعظم قصص الإيمان في التاريخ الإسلامي.
من هو أبو طلحة الأنصاري؟
هو زيد بن سهل بن الأسود الأنصاري الخزرجي رضي الله عنه، واشتهر بكنيته أبو طلحة حتى غلبت على اسمه.
كان من سادات الأنصار، ومن أصحاب المكانة الرفيعة في المدينة، وعُرف بالقوة والشجاعة وإجادة الرمي، حتى وصفه أهل السير بأنه من أمهر الرماة في جيش المسلمين.
وقد شهد بيعة العقبة، ثم لازم النبي صلى الله عليه وسلم، وشارك معه في بدر وأحد والخندق وسائر المشاهد، وذكره ابن سعد والذهبي وابن حجر ضمن كبار الصحابة وأعيان الأنصار.
مهرٌ لم يشهد التاريخ مثله
قبل إسلامه، رغب أبو طلحة في الزواج من أم سليم بنت ملحان رضي الله عنها، وكانت قد أسلمت، بينما ظل هو على دين قومه.
فلما خطبها، قالت له كلمات أصبحت من أشهر المواقف في السيرة: "يا أبا طلحة، مثلك لا يُرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تُسلم فذلك مهري، ولا أطلب غيره".
فوقع الإسلام في قلبه، وأعلن إسلامه، وكان إسلامه هو مهر زواجه.
وقد روى هذه القصة الإمام النسائي، وصححها عدد من أهل العلم، وقال ثابت البناني: "ما سمعنا بمهر قط كان أكرم من مهر أم سليم".
كيف أصبح أبو طلحة الأنصاري من أعظم المنفقين في الإسلام؟
حين نزلت آية... قدم أحب أمواله
كان لأبي طلحة بستان عظيم يُعرف باسم بيرحاء، يقع مقابل المسجد النبوي، وكان أحب أمواله إليه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل البستان ويشرب من مائه العذب.
فلما نزل قول الله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]
ذهب أبو طلحة مباشرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: "يا رسول الله، إن أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله".
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "بَخٍ، ذلك مالٌ رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين". رواه البخاري ومسلم.
فامتثل أبو طلحة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وقسم البستان بين أقاربه، مقدمًا طاعة الله على تعلقه بأحب أمواله.
وقد عد العلماء هذا الموقف من أوضح صور الامتثال العملي للقرآن.
سلسلة صحابة رسول الله
يوم أحد... جعل نفسه درعًا للنبي
في غزوة أحد، عندما اشتد القتال، وتفرق كثير من المسلمين بعد مخالفة الرماة، ثبت أبو طلحة رضي الله عنه مع قلة من الصحابة حول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان من أمهر الرماة، حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: "ارمِ، فداك أبي وأمي". رواه البخاري.
وكان إذا رفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه لينظر إلى العدو، قال أبو طلحة: "يا رسول الله، لا تشرف، لا يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك".
وروى أنس بن مالك رضي الله عنه في الصحيحين أن أبا طلحة كان يكسر القوس بعد القوس من شدة ما يرمي بها دفاعًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا من أعظم ما روي في شجاعته وحبه للنبي صلى الله عليه وسلم.
الصبر الذي بشره الله به
ابتُلي أبو طلحة وأم سليم بوفاة ابنهما الصغير.
ولما عاد أبو طلحة إلى بيته، أخفت أم سليم عنه الخبر حتى هدأ واستراح، ثم أخبرته بحكمة وصبر.
فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بما فعلاه، دعا لهما فقال: "بارك الله لكما في ليلتكما". رواه البخاري ومسلم.
فاستجاب الله دعاء نبيه، ورُزقا بعد ذلك ولدًا مباركًا هو عبد الله، الذي نشأ صالحًا، وكان من ذريته عدد من حفظة القرآن والعلماء، كما ذكر أهل السير.
فارس لا يترك الجهاد
ظل أبو طلحة رضي الله عنه مجاهدًا حتى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
وكان يرى أن الجهاد لا ينقطع ما دام الإنسان قادرًا عليه.
ولما كبر سنه، قرأ قول الله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41].
فقال: "ما أرى ربي إلا يستنفرنا شيوخًا وشبانًا". وخرج مجاهدًا في البحر في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، رغم تقدمه في العمر.
وقد ذكر ابن كثير والذهبي أنه توفي في إحدى الغزوات البحرية، ودُفن بعد أن بقي جسده أيامًا لم يتغير، في رواية اشتهرت عند أهل السير.
رجلٌ سبق إلى الطاعة قبل أن يسبق إلى البطولة
اجتمع في أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه ما قل أن يجتمع في غيره؛ فكان فارسًا ثابتًا في القتال، وراميًا يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، وكان كريمًا ينفق أحب أمواله امتثالًا لكتاب الله، وزوجًا صالحًا شاركته أم سليم واحدة من أعظم قصص الصبر والإيمان.
ولذلك بقي اسمه حاضرًا في كتب السنة والسيرة، لا بسبب بطولة واحدة، بل لأنه كان كلما دعاه الله إلى خير، سابق إليه دون تردد. وهكذا خلد التاريخ أبا طلحة الأنصاري رضي الله عنه، مثالًا للصحابي الذي جمع بين قوة الإيمان، وسرعة الامتثال، والشجاعة، والإنفاق، فاستحق أن يكون من خيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المصادر: القرآن الكريم، صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن النسائي، الطبقات الكبرى لابن سعد، السيرة النبوية لابن هشام، سير أعلام النبلاء للذهبي، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني، البداية والنهاية لابن كثير، الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر.
سلسلة صحابة رسول الله
اهتز لموته عرش الرحمن.. من هو الصحابي الذي شيعه 70 ألف ملك؟ | إنفوجراف
ماذا فعل بلال بن رباح حتى سمع النبي صوت نعليه في الجنة؟.. قصة مؤذن الرسول التي أبكت المسلمين