20-7-2026 | 18:32

في شهر مايو الماضي، قضت دائرة أمن الدولة بمحكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية، بسجن مواطن إماراتي لمدة 3 سنوات وتغريمه 5 ملايين درهم، وذلك بعد إدانته بنشر محتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي يتضمن تحريضاً على الزواج من قاصرات في المملكة المغربية.

هذه ليست الواقعة الأولى التي يضرب فيها القانون بيد من حديد على "مجرد بوست" على فيسبوك.. فهناك وقائع أخرى كانت مثالاً واضحًا وكبيرًا على كل من تسول له نفسه أن يكتب كلمة عابرة بلا تأكد أو بلا ضمير.

وأعتقد أن منشورات السوشيال ميديا تجرنا إلى نقطة أكبر وأهم وأشمل.. وهي الكلمة نفسها وبحد ذاتها.

فبينما هناك مهن تحتاج إلى ترخيص؛ لأنها قد تضر الناس إذا أسيء استخدامها.. كالطبيب والمهندس والمحامي وحتى من يقود سيارة في الطريق.
 
لكننا لم نكن نتصور أن يأتي يوم تصبح فيه الكلمة نفسها مهنة تحتاج إلى ترخيص.. هذا بالضبط ما حدث في بعض الدول وألزموا المؤثرين بالحصول على رخصة لممارسة نشاطهم الإعلاني.. قد يبدو القرار في ظاهره متعلقًا بالإعلانات وتنظيم السوق، لكنه يطرح سؤالًا أكبر: هل أصبحت الكلمة أخطر من أن تُترك بلا مسئولية؟ وهل ما زلنا نتعامل مع وسائل التواصل باعتبارها مجرد مساحة للكلام، بينما تحولت في الحقيقة إلى وسيلة تصنع الرأي العام، وتحرك الأسواق، وقد تثير الذعر أو تطمئن الناس؟!

والحقيقة مرة أخرى لم يعد المؤثر مجرد شاب يجلس أمام هاتفه ويتحدث إلى متابعيه، بل أصبح في أحيان كثيرة مؤسسة إعلامية مصغرة، قد يتابعه من الناس ما يفوق عدد قراء صحيفة كاملة.. وقد يسب ويشتم دولاً أخرى فتثير الفتن والأعاصير والقلاقل والكراهية بين الشعوب!!

الإعلام التقليدي يخضع لضوابط ومسئوليات قانونية ومهنية، صارمة أو خفيفة.. لكن فى النهاية هناك إطار يمكن أن نحاكمه فيه.. أما الإعلام الفردي فهو حتى الآن خارج إطار المساءلة!.. لماذا؟!

أليس من حق المجتمع أن يعرف من يتحدث إليه، ومن يعلن له، ومن يؤثر في قراراته؟.. من يبث السم في أذنه.. ويصب العسل في لسانه؟!

والقضية هي الكلمة التي نعرف تأثيرها الكبير.. فبكلمة واحدة تحدث شرارة غاضبة لسلوك آلاف الناس.. وكثيرًا ما تبدأ الأزمات -خاصة بين الدول- بجملة عابرة، ثم تكبر مع كل إعادة نشر، حتى يصبح من المستحيل معرفة أين بدأت، ومن المسئول عنها.

وهنا تبدو وسائل التواصل الاجتماعي كأنها أعادت اكتشاف أقدم نقطة ضعف في الإنسان. فنحن نحب الخبر المثير أكثر من الخبر الصحيح، وننجذب إلى الغريب أكثر مما ننجذب إلى الحقيقة الهادئة.. ولهذا لم تكن الشائعة في يوم من الأيام مشكلة التكنولوجيا، بل كانت مشكلة النفس البشرية.. التكنولوجيا لم تخترعها، وإنما منحتها أجنحة.. وعليها تتبع تلك الأجنحة وهل هي بيضاء أم لغربان الخراب والشؤم والفتن وعلينا قصها من المنبع.

ولعل المفكر الكبير "فرانسيس بيكون" كان من أوائل من تنبهوا إلى هذه الطبيعة الإنسانية عندما تحدث عن الأوهام التي تحكم عقول الناس، وكيف يميل الإنسان إلى تصديق ما يوافق رغباته أو مخاوفه قبل أن يبحث عن دليله.

ولو عاد بيكون إلى حياتنا اليوم، ربما لم يكن ليندهش من سرعة انتشار الشائعة، بل من استعداد الناس لتصديقها قبل أن يسألوا سؤالًا بسيطًا: من أين جاءت؟

وتراثنا العربي الإسلامي سبق الفلاسفة إلى هذه الفكرة بطريقة أكثر إيجازًا. فقد ورد في الحديث الشريف.. "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع".. إنها عبارة قصيرة، لكنها تضع مسئولية الكلمة في مكانها الصحيح. 

فالإنسان قد لا يكون هو صانع الكذبة، لكنه يصبح جزءًا منها حين يمنحها فرصة جديدة للحياة.. وربما لهذا السبب لم يعد القانون في كثير من الدول يفرق دائمًا بين من اخترع الشائعة ومن تعمد إعادة نشرها وهو يعلم، أو كان ينبغي أن يعلم، أنها غير صحيحة.

ومن هنا يمكن فهم التشريعات التي تتبناها بعض دول الخليج في السنوات الأخيرة.. فالإمارات والسعودية وقطر شددت العقوبات على نشر الأخبار الكاذبة، أو إعادة تداولها إذا ترتب عليها الإضرار بالمصلحة العامة، أو إثارة الفزع بين الناس.. ونشر الفتن بين الشعوب.

قد تختلف النصوص القانونية من دولة إلى أخرى، لكن الفكرة تكاد تكون واحدة: المجتمع لا يخشى الكلمة الصادقة، وإنما يخشى الكلمة التي تتنكر في ثوب الحقيقة لتدمر المجتمع وتنشر الشرور.

ويبقى السؤال: هل تكفي القوانين وحدها؟ ربما لا!! فالقانون يستطيع أن يعاقب، لكنه لا يستطيع أن يعلّم الناس التثبت.. أو إيقاف الانتشار!! وهذه مهمة تبدأ من الأسرة، ثم المدرسة، ثم الإعلام، قبل أن تصل إلى المحكمة؛ فالمجتمع الذي يعتاد أفراده أن يسألوا: "ما دليلك؟" هو مجتمع يوفر على نفسه كثيرًا من العقوبات.. وكثيرًا من الفتن.

وفي النهاية، لا أظن أن أخطر ما في الشائعة أنها تكذب على الناس، بل إنها تجعل الناس يفقدون ثقتهم في كل شيء.. وعندما تصبح الحقيقة نفسها موضع شك، لا يعود المجتمع في حاجة إلى عدو يهزمه من الخارج؛ لأنه يكون قد بدأ يهزم نفسه من الداخل.. عندها ندرك أن الكلمة ليست أخف الأشياء كما تبدو، بل قد تكون أثقلها أثرًا، وأن الإصبع الذي يضغط زر "مشاركة" أو "لايك" قد لا يحمل سلاحًا، لكنه يحمل مسئولية لا تقل وزنًا عن الكلمة التي كتبها صاحبها الأول.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: