مواهبنا المصرية.. ثروتنا القومية!!

22-7-2026 | 12:29

بدايةً، هناك ضرورة ملحة أن نقدم تعريفًا للموهبة والموهوب؛ فالموهبة هبة من الله تعالى، ونعمة أنعم الله بها على من اختصه من عباده، أما الموهوب فهو الشخص نفسه الذي حظي بقدرات استثنائية منحه الله إياها وتميز بها عن غيره؛ فمنهم من وُهب عقلًا رياضيًا أو علميًا، ومنهم من تميز بذكاء سياسي، واقتصادي، واجتماعي، أو فلسفي، ومنهم من رُزق فكرًا إداريًا أو ثقافيًا، فكل هذه ملكات ممنوحة من الواهب سبحانه وتعالى.

مما لا شك فيه أن أم الدنيا تعج بالمواهب المغمورة في شتى المجالات، سواء في الآداب بكل فنونها، أو العلوم العملية كالطب، والهندسة، وعلوم الفيزياء، والكيمياء الحيوية، والصناعية، والهندسة الوراثية، وما شابه.
ليس هذا فحسب، بل إن مصرنا الحبيبة بمدنها وشوارعها وحواريها وأزقتها، وحضرها وريفها وقراها، ممتلئة بالمواهب التي تحتاج إلى من يكتشفها ويأخذ بأيديها ويتبناها ويراعيها حق رعايتها. وإذا تحقق هذا الأمر، فإنه سيعود بالنفع على الموهبة ذاتها، وبما أنها عقل مفكر يعيش في مجتمع، فحتمًا سيعم النفع والخير على هذا المجتمع.

فكما أن هناك مواهب في مجال الرياضة، وخصوصًا كرة القدم، فهناك أيضًا مواهب في ألعاب أخرى؛ سواء ألعاب فردية كالمصارعة والملاكمة وجميع الألعاب القتالية التي يحصد فيها أبطالنا الموهوبون المراكز الأولى، ويجنون الميداليات الذهبية في الدورات الأولمبية وغيرها.

فلماذا لا نهتم بكل المواهب في جميع المجالات؛ فمصرنا تحتاج الموهوب سياسيًا، والموهوب اقتصاديًا؛ بمعنى العقلية الاقتصادية، والموهوب في العلوم الاجتماعية والفلسفية التي تربي العقول وتجعلها دومًا في حالة استنارة. نعم، الموهوب ثقافيًا الذي تكون لديه القدرة على المساهمة في النهوض بهذا الوطن ثقافيًا لجميع مؤسساته، ويستطيع أن يدير منظومة الثقافة بفكرٍ واعٍ مستنير.

أما بالنسبة للآليات التي ينبغي أن تسلكها الدولة للبحث عن هذه المواهب، فنقترح ما يلي:

الأولى: تخصيص جزء من موازنة الدولة للبحث عن هذه الطاقات، فضلًا عن استحداث إدارة نوعية نطلق عليها "إدارة اكتشاف المواهب"، تلحق بالوزارات والمؤسسات المعنية، محاكاةً للنماذج الناجحة في الدول المتقدمة.

الثانية: التوسع في إنشاء مراكز متخصصة لرعاية الموهوبين علميًا وثقافيًا، على غرار المراكز والقرى الأولمبية المخصصة للألعاب الرياضية، لتشمل هذه الرعاية جميع المجالات الإبداعية.

الثالثة: تسيير قوافل دورية للكشف عن الموهوبين في المحافظات، ومدنها، وقراها؛ فكثيرة هي المواهب المغمورة في صعيد مصر ووجهها البحري، ولا ينبغي أن ينصب التركيز على العاصمة فحسب.

الرابعة: الاهتمام الشديد بالجوانب الإبداعية لدى تلاميذ المدارس في التعليم الإلزامي، وكذلك في التعليم الجامعي، فمتى ما وضعنا أيدينا على هؤلاء النوابغ، أصبح لزامًا على المؤسسات التعليمية تقديم الرعاية الكاملة لهم.

الخامسة: التوسع في عقد المسابقات المحلية وتحفيز الفائزين للوصول إلى المراكز العليا، على غرار المسابقات الناجحة في القرآن الكريم (مثل تجربة دولة التلاوة)، نظرًا لما يزخر به الشعب المصري من طاقات في كل مجال.

السادسة: الاستثمار الأمثل في هذه المواهب الواعدة، والاستفادة من تجارب الدول المتقدمة التي حققت قفزات تنموية كبرى بالاعتماد على طاقات أبنائها.

إن المجتمعات التنموية تسعى دومًا، وبشكل حثيث، للبحث عن المواهب من أبنائها؛ سواء كانوا صبية، شبابًا، أو حتى قامات وخبرات كبارًا. وقد تابعنا نماذج ملهمة عبر وسائل الإعلام من خلال مسابقات محلية وعالمية لاكتشاف المواهب في شتى المجالات؛ من اختيار الأصوات، الشعر، الأدب، فن كتابة المقال، مسابقات الذكاء، اختبارات المعلومات، ومسابقات حفظ القرآن الكريم وتجويده، وهذا مسار في غاية الأهمية.

ولقد شرفتُ بالمشاركة في إحدى هذه المسابقات لاختيار الطالب المثالي في الجامعة، ولمسنا مواهب واعدة تحتاج إلى الالتفات والبروز، ليس فقط من خلال الاكتشاف الأولي، بل بالمتابعة المستمرة والدعم الشامل؛ ماديًا، وتقنيًا، ومعنويًا، حتى تنضج هذه الموهبة وتستقر داخل وطنها، وتسخر طاقاتها لخدمته وتمثيله في المحافل الدولية؛ فمتى ما توافر الدعم اللازم الذي يضمن العيش الكريم وتقدير الإنجاز، بقيت العقول في وطنها تساهم في بنائه.

وفي المقابل، فإن غياب الدعم الكافي للأبطال والمبتكرين قد يدفع بعضهم للبحث عن بدائل أخرى لتأمين متطلبات الحياة الأساسية، وهو ما يمثل خسارة حقيقية لثروتنا البشرية. فالمبتكر الذي يقدم تصميمًا هندسيًا واعدًا، ينبغي أن يجد بيئة إدارية مرنة تحتضن ابتكاره وتيسر إجراءات براءات الاختراع، بعيدًا عن الروتين والتعقيدات التي تعيق الإبداع.

وإذا نظرنا إلى تاريخ بعض علمائنا العظام الذين حققوا شهرة عالمية واسعة، وبزغ نجمهم في الخارج عبر جامعات وأكاديميات دولية في مجالات الطاقة النووية، والطب والجراحات الدقيقة، أو حتى الفوز بجوائز عالمية رفيعة كجائزة (نوبل)، فإن ذلك يدعونا إلى ضرورة استباق هذه الخطوات محليًا. إن توجيه الأنظار والرعاية المبكرة لهؤلاء النوابغ يضمن استفادة الوطن من علمهم وخبراتهم، ويمنع استقطابهم من الخارج قبل أن يجني وطنهم ثمار عقولهم.

إن البناء الحقيقي للمستقبل يتطلب ترسيخ قيم الكفاءة والجدارة، والابتعاد عن أي مظاهر للمحسوبية أو العلاقات الشخصية في تقييم الكوادر؛ فالاعتماد على أصحاب الكفاءة هو الضمانة الوحيدة لنجاح المؤسسات وقدرتها على الإنتاج والعطاء.

إن الدول المتقدمة التي بلغت عنان السماء وحققت تصنيفات عالمية رفيعة بعد أن كانت في مراحل متأخرة، ما نهضت إلا بعد أن أيقنت أن التنمية الحقيقية لا تقوم إلا بسواعد ثروتها البشرية؛ فنقبت عن المواهب، وتبنت العقول، ووفرت لها البيئة الخصبة للوصول إلى العالمية. وليست تجارب ماليزيا، وسنغافورة، والصين، واليابان منا ببعيد؛ فقد أدركت تلك الدول قيمة عقول أبنائها، فانظروا إلى ما وصلت إليه من نهضة حضارية واقتصادية كبرى.

أستاذ الفلسفة بآداب العاصمة ورئيس القسم السابق

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: