كان الهدف الأول من إنشاء شبكات الإنترنت في تسعينيات القرن العشرين خدمة المجتمعات في تداول المعلومات وتعزيز التواصل بين الشعوب، بحيث يتم النشر وتبادل المعرفة بحرية، دون رقابة أو مساءلة مباشرة. ولم يتوقع مؤسسو هذه الشبكات أن تصبح وسيلة لانتشار الجرائم الإلكترونية بمختلف صورها، الأمر الذي جعل تعميم التشريعات وتفعيلها في دول العالم ضرورة ملحة.
ففي البداية كانت قوانين السب والقذف، والاحتيال، والقرصنة هي المرجع القانوني للتعامل مع التجاوزات المرتكبة عبر الإنترنت، إلا أن الانتشار السريع للشبكة والتطبيقات التي ربطت العالم في فضاء واحد جعل تلك القوانين غير كافية لمواجهة الجرائم المستحدثة.
وتعد مصر والسعودية من أوائل الدول العربية التي سنت قوانين متخصصة في هذا المجال، بعد أن بدأت دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا في تعديل بعض قوانينها الجنائية لاستيعاب الجرائم المرتكبة عبر الإنترنت. إلا أن تلك التعديلات كانت حلولًا متفرقة، ولم تشكل إطارًا قانونيًا دوليًا متكاملًا، حتى جاء التحول الأكبر عام 2001 عندما اعتمد مجلس أوروبا اتفاقية بودابست بشأن الجرائم الإلكترونية، التي دخلت حيز التنفيذ عام 2004، وأصبحت أول معاهدة دولية متخصصة في مكافحة الجرائم المرتكبة عبر الإنترنت.
وقد وضعت الاتفاقية مجموعة من المبادئ القانونية المهمة، من أبرزها تجريم الدخول غير المشروع إلى الأنظمة المعلوماتية، وتجريم اعتراض البيانات أو إتلافها أو تعديلها، ومكافحة الاحتيال والتزوير الإلكتروني، وحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية، والاعتراف بالأدلة الإلكترونية أمام القضاء، ووضع قواعد للتعاون القضائي الدولي وتبادل المعلومات بين الدول. وقد لجأت إليها دول عديدة، وأصبحت مرجعًا عالميًا في تشريعات مكافحة الجرائم الإلكترونية.
وتعد مصر من أوائل الدول العربية التي تعاملت مع هذه الظاهرة من خلال قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، الذي يجرم الاختراق، والاعتداء على الأنظمة المعلوماتية، والابتزاز الإلكتروني، ونشر المحتوى المخالف للقانون، كما يحدد إجراءات جمع الأدلة الرقمية. ثم صدر قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020، لتنظيم جمع البيانات الشخصية ومعالجتها وحمايتها.
وجاءت المملكة العربية السعودية لتضع نظام مكافحة جرائم المعلوماتية عام 2007، وهو من أوائل التشريعات العربية في هذا المجال، حيث يجرم الاختراق، والابتزاز، والتشهير، وانتهاك الخصوصية، والاحتيال الإلكتروني.
كما أصدرت دولة الإمارات العربية المتحدة عدة قوانين متعاقبة، كان أحدثها المرسوم بقانون اتحادي بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، الذي ينظم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ويعاقب على نشر الأخبار الكاذبة، وانتهاك الخصوصية، والجرائم الإلكترونية.
ورغم هذه الأطر القانونية التي وضعتها بعض الدول لتجريم الاختراق، والاحتيال، والاعتداء على الخصوصية، وتهديد الأمن العام عبر شبكة الإنترنت، فإن الواقع أصبح أكبر وأخطر من نطاق ما تجرمه القوانين الحالية. ففي كل يوم تظهر تطبيقات وتقنيات جديدة يمكن استغلالها في ارتكاب الجرائم الإلكترونية، وهو ما يفرض ضرورة التطوير المستمر للتشريعات، ولا سيما في الدول العربية.
وتعد الصين من أكثر دول العالم التي تنبهت مبكرًا إلى مخاطر بعض منصات التواصل الاجتماعي، فاتخذت سياسات تنظيمية صارمة، وحجبت عددًا من المنصات العالمية، وأقامت بدائل محلية تخضع لقوانينها الوطنية، وهو ما يعكس إدراكها لحجم التأثير الذي يمكن أن تمارسه المنصات الرقمية على المجتمع والأمن الوطني.
وفي مصر ما زالت الحاجة قائمة إلى مزيد من الضوابط المنظمة للتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي. فما يقدمه بعض صناع المحتوى و"البلوجرز" عبر هذه المنصات أصبح في بعض الحالات أخطر من مجرد إغلاق الصفحات أو توقيع العقوبات التقليدية، وهو ما يستدعي سن تشريعات أكثر تطورًا للتعامل مع الظواهر التي تهدد المجتمع، خاصة بعد أن أصبحت بعض الأسر تعتمد على هذه الوسائل في تحقيق مكاسب مالية بطرق تتجاوز القيم والعادات والتقاليد التي حافظ عليها المجتمع المصري عبر عقود طويلة.
كما ينبغي ألا تتمتع المنصات الرقمية بحصانة مطلقة، وأن تخضع جميع الحسابات للقوانين المنظمة، مع وضع آليات واضحة للتحقق من الهوية والحد من إساءة استخدام الحسابات الوهمية أو الأسماء المستعارة في ارتكاب الجرائم الإلكترونية أو نشر الشائعات والأخبار الكاذبة. كما أن تطوير القوانين، ووضع تشريعات أكثر دقة وفاعلية، أصبح ضرورة تفرضها طبيعة العصر الرقمي.
ومن ثم، فإن على البرلمان المصري أن يبدأ دراسة شاملة للتحديات الجديدة التي فرضها التطور الرقمي، وأن يتبنى تشريعات حديثة تتناسب مع المستجدات، ولا سيما فيما يتعلق بمكافحة نشر الأخبار الكاذبة، والشائعات التي تمس الأمن القومي، أو المجتمع بصفة عامة، أو الاقتصاد المصري، أو التي تستهدف تشويه الإنجازات التي تتحقق في المدن المصرية، أو الإساءة إلى علاقات مصر بأشقائها العرب، وذلك كله في إطار الدستور والقانون، وبما يحقق التوازن بين حماية المجتمع وصون الحقوق والحريات التي يكفلها القانون.