معاناة المازني مع الكتابة والذاكرة

20-7-2026 | 14:58

كتب الناقد الدكتور محمد مندور عن الكاتب إبراهيم عبدالقادر المازني أنه نسيج جميل من الشعر والسخرية.. وكان المازني ساخرًا عظيمًا في كتاباته ومقالاته، لكنه كان جادًا في تلك المرة التي اعترف فيها بالنقل عن كاتب آخر دون أن يدري. 

وكتب المازني في مجلة "الرسالة" مقالة مدهشة حول "السرقات الأدبية" (عدد 2 أغسطس 1937)، يعترف فيها، بأن صفحات كاملة من روايته الشهيرة "إبراهيم الكاتب" مسروقة! ويحكي المازني أنه على إثر ثورة 1919، ذهب إلى الإسكندرية لقضاء بضعة أيام، فمرض ولزم الفراش، وكان أن زاره عباس محمود العقاد، وترك له رواية روسية ليتسلى بها، فقرأها وأعجبته وأعانته على الشفاء. وبعد مضي عام طلب إليه أن يترجم عملاً أدبيًا، فوقع اختياره على تلك الرواية الروسية. وأنجز العمل بسرعة، وصدرت الترجمة بعنوان "ابن الطبيعة"، (وكان اسمها في الأصل "استين")، لكنه لم يحتفظ منها بنسخة.

وكثيرًا ما تناولت "السرقات الأدبية" في تحقيقات صحفية، وقد عدت إليها لأتذكر ما رواه المازني في مقال مجلة "الرسالة". يكتب: "كان ذلك في سنة 1920. وفي سنة 1926 شرعت أكتب قصة "إبراهيم الكاتب"، وانتهيت منها ولم أرض عنها فألقيتها في درج، وبقيت فيه حتى سنة 1930؛ حيث خطر لي أن أنشرها، فدفعت بها إلى المطبعة". وبعد أشهر على صدور الرواية، نشرت مجلة "الحديث" التي تصدر في حلب مقالة يؤكد صاحبها أن المازني سرق فصلاً كاملاً من رواية "ابن الطبيعة"! "بحثت عن ابن الطبيعة وراجعتها ـ يكتب المازني ـ وإذا بالتهمة صحيحة، بل هي أصح مما قال الناقد الفاضل. إذ اتضح لي أن أربع أو خمس صفحات من "إبراهيم الكاتب" منقولة بالحرف الواحد عن الرواية المذكورة. 

ويتساءل الأديب المصري: "من الذي يصدقني إذا قلت إن رواية "ابن الطبيعة" لم تكن أمامي، ولا في بيتي، وأنا أكتب روايتي؟".ويطالعنا المازني بتبرير طريف، مؤكدًا أن (صفحات أربعًا أو خمسًا من رواية "ابن الطبيعة" علقت بذاكرتي وأنا لا أدري، لعمق الأثر الذي تركت هذه الرواية في نفسي، فجرى بها القلم، وأنا أحسبها لي، ومن شاء أن يصدق فليصدق، ومن شاء أن يحسبني مجنونًا فإن له ذلك). روى المازني هذه الواقعة في مقدمة مقالته الطويلة عن السرقات الأدبية كمثال لما يمكن أن تؤدي إليه معابثة الذاكرة للإنسان، ثم استكمل مقالته عن السرقات في الأدبين العربي والأوروبي. 

حيل المازني كثيرة، فهو يحب الكتابة ويضجر منها، ويعشق أن يترك أثرًا ويسخر مما سيتركه، وأعادت لي ذكرى مرور 75 عامًا على وفاته شيئًا من كتابات المازني ورأيه هو فيها وفي المهنة كلها. 

التحق المازني بكلية الطب، لكنه تركها بعد أول درس تشريح، قال إنه أغمى عليه من منظر الدم، وحتى وقتنا الراهن فإن كثيرين لا يلتحقون بكليات الطب لهذا السبب. وذهب المازني إلى كلية الحقوق، وهي عند علية القوم، في أوائل القرن العشرين، كلية الوزراء والسياسيين. وبينما تسوء حالته المالية، فيتجه إلى كلية المعلمين، لأنها تدفع معونة شهرية لطلابها، لتشجيع النشء للالتحاق بها. وبعد التخرج عمل طبعًا بالتدريس، لكنه وهو الشاعر والناقد والأديب، هجر التدريس إلى الصحافة. وكتب في جريدة (الأخبار) القديمة، ثم نجده يتنقل بين أكثر من مطبوعة، وكان يكتب كثيرًا رغم ضجره من الكتابة، حتى إنه كان يكتب مقالاً في الصباح في جريدة (الأساس)، ويكتب مقالاً في المساء في جريدة (البلاغ). كل ذلك ليتمكن من تحقيق دخل يحييه بكرامة.

وفي وقت تتصاعد فيه شكاوى الزملاء الصحفيين، من تراجع الدخل المادي، فإن المازني في زمنه، اعتبر بيع الفلافل (الطعمية) يحقق ربحًا أكثر من مهنة القلم، كما ذكر الأستاذ محمد المهدي في مجلة القاهرة (عدد 15 يونيو 1990)، وكان أن نشر المازني صورة لنفسه وهو يبيع الفلافل.

كان المازني ساخرًا لدرجة إغضاب أصدقائه المقربين، بل وإغضاب نفسه، وقد أوصى أن يكتب على قبره (نقلاً عن مقال المهدي "حياة المازني وموقفه السياسي بين الجد والهزل"):

أيها الزائر قبري .. اتل ما خط أمامك
ها هنا فاعلم عظامي .. ليتها كانت عظامك

وكانت المقبرة قريبة من منزله في حي عين الصيرة، والبيتان ليسا في ديوانه، ربما أوصى بهما أو تناقلهما أحد أصدقائه للدلالة على أسلوبه وروحه الساخرة. ولكن بالعودة إلى قصيدة الكاتب في ديوانه المعترف به تسيطر المعاناة من عوائد الكتابة: 

يكتب الحبر لا لمجد أو طمع
لكن ليستر ما في البطن من جوع 

وفي كتابه "حصاد الهشيم" الصادر عام 1913، فإن الأدب لا يطعم خبزًا، والكاتب يعيش بين الورق والحبر، ولكن لا يجد في جيبه ما يسد الرمق. ثم نأتي إلى كتابه "صندوق الدنيا" الصادر عام 1939، وسرد متاعبه، حيث يقر بأنه لو كان تاجرًا أو صاحب حرفة لكان أيسر عليه أن يكون كاتبًا. ويشرح: "أنا زوج الحياة الذي لا يستريح من تكاليفها"، فهو يقوم من النوم ليكتب ويأكل وهو يفكر فيما يكتب وينام ويحلم بموضوع يكتبه، فالمطبعة كجهنم لا تشبع، ويأتي من يقترح عليه فكرة موضوع ليكتبه.. ويشرح كثيرًا كيف يكتب...

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: