اقتصاد الانتباه واستنزاف العقول

18-7-2026 | 19:08

في كل مرحلة من التاريخ، كانت هناك ثروة تعيد رسم خرائط القوة والنفوذ. ففي زمن الإمبراطوريات كانت الأرض، وفي عصر الثورة الصناعية كان الفحم والحديد، ثم أصبح النفط عنوان القرن العشرين ومحرك اقتصاده وصراعاته. أما اليوم، فإن العالم يقف أمام تحول أكثر عمقاً، إذ لم تعد الثروة الأكثر قيمة تُستخرج من باطن الأرض، وإنما من داخل العقل البشري. لقد أصبح انتباه الإنسان هو المورد الأكثر ندرة، والأكثر ربحية في الوقت نفسه.

هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتيجة مباشرة لتطور الرأسمالية الرقمية، التي انتقلت من بيع السلع والخدمات إلى الاستثمار في الوقت الذي يقضيه الإنسان أمام الشاشات. 

فشركات التكنولوجيا تتصارع الآن على جذب الانتباه والاحتفاظ بالمستخدم لأطول فترة ممكنة فكل نقرة، وكل إعجاب، وكل مشاركة، وكل ثانية يقضيها المستخدم أمام الشاشة، تتحول إلى بيانات تُحلل، وسلوك يُتوقع، وإعلانات تُستهدف بدقة غير مسبوقة. وبذلك، لم يعد المستخدم مجرد مستهلك للخدمة، بل أصبح جزءاً من عملية الإنتاج نفسها، يقدم وقته وتركيزه مجاناً، بينما تتحول هذه المدخلات إلى عوائد مالية ضخمة لشركات المنصات الرقمية.

وهكذا نشأ ما يُعرف بـ«اقتصاد الانتباه»، حيث أصبح الوقت مورداً اقتصادياً، وأصبحت الخوارزميات "مصانع" لإنتاج القيمة من السلوك الإنساني.
 
خسائر وطنية 

غير أن الوجه الآخر لهذا الاقتصاد يكشف عن فاتورة خفية لا تظهر في التقارير المالية. فبينما تحقق شركات التكنولوجيا مكاسب متزايدة، تتحمل المجتمعات تكلفة "غير منظورة" تتمثل في استنزاف رأس المال البشري، وتراجع الإنتاجية، وإعادة تشكيل أنماط الاستهلاك، وظهور جرائم اقتصادية جديدة، الأمر الذي يجعل اقتصاد الانتباه قضية تنموية بامتياز، لا مجرد ظاهرة تقنية.

إن أخطر ما في اقتصاد الانتباه أنه لا يستهلك المال، بل يستهلك الزمن. والزمن هو الوعاء الحقيقي للإنتاج والمعرفة والإبداع. فعندما يقضي ملايين الأفراد ساعات طويلة يومياً في التمرير اللانهائي للمحتوى، فإن الاقتصاد لا يخسر وقتاً فردياً فحسب، بل يخسر ملايين ساعات العمل والتعلم والابتكار. وتتحول الدقائق الضائعة، إذا ما جُمعت على مستوى المجتمع، إلى خسائر ضخمة في الإنتاجية الوطنية، يصعب قياسها بالأدوات الاقتصادية التقليدية، لكنها تنعكس بوضوح في تدني الابتكار، وتراجع كفاءة سوق العمل، وانخفاض جودة رأس المال البشري.

ولم يعد السؤال المطروح هو: كم ساعة يستخدم الفرد هاتفه يومياً؟ بل: كم ساعة فقدها الاقتصاد من طاقات بشرية كان يمكن أن تتحول إلى معرفة أو إنتاج أو إبداع؟
 
 
السلوك الاقتصادي للمجتمعات

ولا تتوقف الفاتورة عند حدود الإنتاجية، بل تمتد إلى إعادة تشكيل السلوك الاقتصادي للمجتمعات. إذ نجحت المنصات الرقمية في تحويل "المؤثرين" إلى قوة تسويقية تتجاوز في تأثيرها وسائل الإعلان التقليدية. ولم يعد الهدف بيع سلعة أو خدمة بعينها، بل صناعة نمط استهلاكي كامل يقوم على تحويل الرغبات إلى احتياجات، وربط النجاح بالمظاهر، والسعادة بالاقتناء، والقبول الاجتماعي بما تعرضه الشاشات. 

ولم يعد اقتصاد المؤثرين نشاطاً هامشياً في صناعة الإعلان، بل تحول إلى أحد أسرع قطاعات الاقتصاد الرقمي نمواً. وتشير التقديرات إلى أن سوق التسويق عبر المؤثرين يتجاوز 32 مليار دولار عالمياً بنهاية العام الجاري، مقارنة بأقل من ملياري دولار قبل أقل من عقد، وهو نمو يعكس انتقال الإنفاق الإعلاني من وسائل الإعلام التقليدية إلى المنصات الرقمية التي تعتمد على بناء الثقة الشخصية والتأثير السلوكي في قرارات المستهلكين. ولم يعد المؤثر يبيع منتجاً فحسب، بل أصبح يعيد تشكيل أنماط الاستهلاك وأولويات الإنفاق، خصوصاً بين فئات الشباب.

وهكذا، أصبحت الخوارزميات لا تستجيب لاحتياجات المستهلك، وإنما تصنع احتياجات جديدة، وتدفعه إلى قرارات شرائية متكررة، بما يعزز النزعة الاستهلاكية ويضعف ثقافة الادخار والاستثمار، وهما من أهم مرتكزات التنمية المستدامة.
 
 
ازدهار الاحتيال الرقمي

ومن رحم هذا الاقتصاد، برزت أيضاً أنماط جديدة من الجرائم الاقتصادية، لم تكن معروفة بهذا الاتساع قبل سنوات قليلة. فالاحتيال الإلكتروني، وسرقة الهوية الرقمية، ومنصات الاستثمار الوهمية، والعملات المشفرة المزيفة، والابتزاز الإلكتروني، والتزييف العميق باستخدام الذكاء الاصطناعي، كلها وجدت في اقتصاد الانتباه بيئة مثالية للنمو. فالمحتال لم يعد بحاجة إلى اقتحام خزائن البنوك، بل يكفيه أن يخطف انتباه الضحية لثوانٍ معدودة عبر إعلان مضلل أو رسالة مزيفة أو مقطع فيديو مصمم بإتقان، حتى يتمكن من الوصول إلى بياناته أو أمواله. وبذلك، أصبحت الخوارزميات التي تجذب المستخدم إلى المحتوى، هي نفسها البيئة التي تستغلها شبكات الاحتيال للوصول إلى الضحايا.

وإذا كان اقتصاد الانتباه قد خلق أسواقاً جديدة للإعلان، فإنه وفر في الوقت نفسه بيئة مثالية لازدهار الاحتيال الرقمي لتصل قيمة الخسائر عالمياً إلى نحو 400 مليار دولار سنوياً.

 
مواجهة الإدمان الإلكتروني 

ومن زاوية أكثر اتساعاً، لم يعد اقتصاد الانتباه قضية تخص شركات التكنولوجيا وحدها، بل أصبح قضية أمن اقتصادي وتنموي. فكل انخفاض في الإنتاجية، وكل زيادة في الاستهلاك غير المنتج، وكل خسارة ناجمة عن الاحتيال الإلكتروني، تمثل في مجموعها استنزافاً لقدرة الاقتصاد على النمو، وتراجعاً في جودة رأس المال البشري، وهو المورد الذي تقوم عليه اقتصادات المعرفة في القرن الحادي والعشرين.

ولذلك، بدأت الحكومات تدرك أن المسألة تجاوزت حدود حرية استخدام التكنولوجيا إلى مساءلة تصميمها ذاته. فقد اتجهت أستراليا وغيرها من الدول إلى تشديد القيود على استخدام القُصّر لمنصات التواصل الاجتماعي، بينما صعّد الاتحاد الأوروبي من نهجه الرقابي تجاه شركات التكنولوجيا الكبرى. وفي أحدث خطواته، وجّهت المفوضية الأوروبية اتهامات إلى شركة «ميتا» المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستجرام» بانتهاك قواعد الخدمات الرقمية، معتبرة أن خصائص مثل التشغيل التلقائي للمحتوى والتمرير اللانهائي، إلى جانب أنظمة التوصية شديدة التخصيص، صُممت لإبقاء المستخدمين متصلين بالمنصات لأطول فترة ممكنة، بما يعزز أنماط الاستخدام القهري والإدمان الرقمي.
 
الحياد التكنولوجي المفقود 

أثبتت تجربة العقدين الماضيين أن التكنولوجيا ليست محايدة دائماً، وأن التصميم الرقمي يمكن أن يصبح عاملاً مؤثراً في تشكيل السلوك الاقتصادي والاجتماعي. وإذا كانت الثورة الصناعية قد غيّرت طريقة العمل والإنتاج، فإن الثورة الرقمية تعيد اليوم تشكيل طريقة التفكير ذاتها، وهو ما يفرض على الدول أن تنظر إلى حماية الانتباه باعتبارها جزءاً من سياسات التنمية، لا مجرد قضية تربوية أو صحية.

ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: كم تربح شركات التكنولوجيا من اقتصاد الانتباه؟ بل: كم تخسر الدول من هذا الاقتصاد؟ فالثروات لا تُقاس فقط بما يُضاف إلى الموازنات العامة، وإنما أيضاً بما يُستنزف من العقول، وما يُهدر من الزمن، وما يُفقد من الإنتاجية. 

وفي عالم تتنافس فيه الأمم على المعرفة والابتكار، يصبح الحفاظ على انتباه الإنسان استثماراً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الاستثمار في التعليم أو الطاقة أو البنية التحتية. فالدولة التي تحمي رأسمالها البشري من الاستنزاف الرقمي، إنما تحمي في الحقيقة قدرتها على المنافسة، وتصون أهم مورد تمتلكه في معركة المستقبل.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة