مهاويس السوشيال ميديا... وصراع التريندات

18-7-2026 | 17:37

أوشك العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين أن ينفرط؛ ومما لا شك فيه أننا جميعًا تأثرنا بهذه التقنيات الحديثة مما أحدثته ثورة المعلومات والاتصالات والإنترنت وعالم الرقمنيات والسوشيال ميديا (مواقع التواصل الاجتماعي بجميع منصاتها المختلفة)، والميتافيرس، والذكاء الاصطناعي، وكل ما يمت بصلة لحياة المدنية المعاصرة.

لكن السؤال الذي ينبغي طرحه ها هنا، لا لمجرد الطرح، وإنما لمحاولة إيجاد إجابات شافية عليه من خلال أطروحات يتشارك فيها الجميع حتى وإن قدمها عقل فردي، إلا أنه لا يجد فكاكًا من مشاركة العقول الجمعية؛ لأنه مكون أصيل من مكونات هذه العقول.

هذا السؤال: ما سلبيات وإيجابيات هذه الثورة المعلوماتية؟ وما الذي أفادته للبشرية جمعاء؟ ما إيجابيات السوشيال ميديا ومواقع التواصل الاجتماعي على سبيل المثال، وما سلبياتها؟

نعم فكل وافد جديد على ساحتنا الإنسانية لابد أن يكون له إيجابيات وسلبيات، يتم اكتشافها من خلال المعايشة والتعاطي والتعامل.

أما بالنسبة للإيجابيات فهي كثيرة ولا يمكن لعقل منصف أن ينكرها.

أولها: تشكيل الوعي الفردي من خلال الوعي الجمعي الافتراضي، كيف يكون ذلك، عن طريق عرض قضية معينة تناقش على المشاع؛ ولتكن مثلا قضية تفشي ظاهرة العنوسة أو التسرب من التعليم أو حتى ما طرح أخيرًا وكثر الحديث عنه موضوع الكلاب الضالة وآليات التعامل معها، ومدى تأثيرها على أمن وأمان المواطن.

حتى وإن تعددت الآراء واختلفت، أليست هذه التعددية تعطي الفرصة لصناع القرار للاسترشاد بهذه الآراء.

قيسوا على ذلك كثيرًا من القضايا التي تمس واقعنا اليومي، كقضية التدني الأخلاقي وانتشار نزعة الأنانية واللامبالاة وتدهور منظومة القيم الخلقية.

أليست هذه قضية مهمة نوقشت على مواقع التواصل الاجتماعي، ظاهرة الرقص والزمر أمام لجان الامتحانات، أليست هذه ظواهر تستوقفنا جميعًا، تسترعي انتباهنا، وتقول لنا قفوا أمامها لا تمروا عليها مرور الكرام.

ثانيها: أليست مواقع التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا بمثابة حراك ثقافي جبار، كيف يكون ذلك، عند تفعيل منظومة الصداقات؛ هل جميعنا على نفس المستوى الثقافي، هل جميعنا من بلد واحد ودولة واحدة، بالطبع ستكون الإجابة بالنفي، فهناك أصدقاء من جميع دول العالم، أليس تبادل الرؤى ووجهات النظر يمثل حراكًا ثقافيًا يجعلنا نتعايش فكريًا وثقافيًا ونقارن بين ثقافتنا وثقافة الآخر؛ بما يحدث ما يسمى بالحراك الثقافي وتبادل وجهات النظر.

ثالثتها: تسليط الضوء على مشكلات في مجتمعنا المصري لم نكن نعلم عنها شيئًا، كنا نسمع عنها سماعًا، كمشكلات خطف الأطفال، وتجارة الأعضاء والتحرش الجسدي والمضايقات، كنا نسمع عنها ولا نعيرها اهتمامنا، لكن عندما يتم تصوير مثل هذه الأمور ورفعها على صفحات وزارة الداخلية، تصبح قضايا رأي عام، وستجعلنا نوليها اهتمامنا ونأخذ حذرنا حتى لا تحدث مع أولادنا، أليست هذه من محاسن السوشيال ميديا.

رابعتها: وهذه حدثت معي شخصيًا، من الذي أخرج كتاباتي من حيز الوجود بالقوة إلى حيز الوجود بالفعل، من الذي أخرج مقالاتي التي كانت حبيسة عقلي.

لا أخفيكم سرًا، مواقع التواصل الاجتماعي، بدأت بالنشر على صفحتي إلى أن وصلت كتاباتي إلى كل صحف مصر تقريبًا.

من الذي أخرج فيديوهاتي التي كنت أسجلها في محاضراتي، بالطبع كنت أسجلها وأرفعها على صفحتي إلى أن تحول هذا الأمر إلى لقاءات تليفزيونية وإذاعية.

من أجل أن يستفيد منها المستمع والمشاهد والقارئ الكريم.

أما بالنسبة للسلبيات فهي كثيرة وكثيرة جدًا.

أولاها: ما يمكننا أن نطلق عليه مهاويس الترندات، فالأمر زاد على حده بحدود، مما بات الأمر يؤرق مضاجع أسرنا المصرية المحترمة، فاختلط الحابل بالنابل الكل يسارع، يريد أن يجني أرباحًا، وأسميه، إن جاز لي ذلك، الربح السهل الحرام، كيف يكون ذلك سأضرب مثالاً بحالة واحدة، نشاهد في هذه الأيام وبعد خروجنا من الدور السادس عشر، قامت قيامة التريندات ولم تقعد، لاعبون، أمهات لاعبين، أصدقاء لاعبين، أزواج لاعبين، الكل يسارع لأخذ اللقطة، مهاويس السوشيال ميديا، الكل يصور، الكبير والصغير، الشاب والصبي والشيخ، يصور وينزل على صفحته.

 لماذا كل ذلك لجني أرباح من وراء هذه التريندات؛ مما يخلق حالة من "الترهل المجتمعي" نتيجة للبطالة التي ستحدث، فلماذا أسعى على رزقي وأسعى للعمل وبيدي شاشة تليفون وكاميرا.

لا حرج أن أصور زوجتي وهي ترقص، أو أصور حالي وأنا وسط أولادي أتناول طعامي.
أو أتلصص وأتنصت على جيراني وأسجل لهم مكالمات ابتزهم من خلالها.

ثانيتها: وهذه جد خطيرة جدا، الكل للأسف أصبح قاضيًا شرعيًا، أصبح مفتيًا وكأن دار الإفتاء نقلت فتواها إلى مواقع التواصل الاجتماعي، الكل يخوض في قضايا الدين، في المواريث، في تجديد الخطاب الديني، في حجاب المرأة. لا رقيب على هؤلاء إلا ما رحم ربي، أليس هذا الأمر يؤثر سلبًا على الإنسان البسيط.

ثالثتها: التليفون بيد الزوج، بيد الزوجة، بيد الأولاد، كل منهم في وادٍ، لا الزوج يعلم ما تشاهده زوجته، ولا الزوجة ترى ما يراه زوجها ولا كلاهما يشعر بما يفعله الأبناء، مما أصاب الأسر المصرية بحالة من الصمت الرهيب والخرس الأسري.

حتى إن الأمر بلغ مبلغه فأصبحنا نسمع عجب العجاب الأسرة تعيش في شقة واحدة، ويتواصلون مع بعضهم بعضًا عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي.

هل هذا يبني أسرة؟! أين الود والتعاطف والتراحم بين أفراد هذه الأسرة؟! هل أصبحنا عبادًا للتريند وهوس السوشيال ميديا؟!

رابعتها: وهي الأشد خطرًا على المجتمع ما ينشر عبر بعض الصفحات من محتويات قذرة لا تمت للدين ولا للأخلاق بأدنى صلة لا من قريب ولا من بعيد، شاهدنا عجب العجاب، شاهدنا من تدعو إلى تعدد الأزواج والزوجات، إنه الزنا يا سادة في أبشع صوره، إنها دعوة لاختلاط الأنساب.

شاهدنا من يروجون لزواج الكلاب وإقامة الحفلات لها (حفلات الكلاب)، شاهدنا من يدغدغون مشاعر البسطاء الذين يلهثون خلف رغيف خبز حاف، شاهدناهم يتحدثون عن أرقام فلكية ينفقونها على قططهم وكلابهم المدللة.

ما هذا الهراء؟!

وأختتم حديثي بكلمات أظنها مفيدة، لا تنقادوا انقيادًا أعمى خلف هؤلاء الأدعياء، خذوا ما هو حسن وجيد وثمين وتعاطوه وطبقوه، واطرحوا ما لا يتناسب مع دينكم وقيمكم وعاداتكم وتقاليدكم، اطرحوه أرضًا.

أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب العاصمة ورئيس القسم السابق

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة