حتمية تقنين استخدام السوشيال ميديا

18-7-2026 | 14:54

ربما لا يختلف اثنان على فوائد السوشيال ميديا ودورها في حياتنا من سهولة التواصل وكسر الحواجز الجغرافية وكذلك دورها في متابعة أحدث الأخبار وكسب المعرفة والتعلم والتسوق وغيرها من خدمات لم تكن في المتناول إلا أن الحقيقة الصادمة التي استفاق عليها العالم أن حجم المخاطر الذي يشكله الاستخدام العشوائي للسوشيال ميديا بات يهدد مستقبل الشعوب وأمنها القومي فقد رصدت العديد من الأبحاث الدولية أن السوشيال ميديا أصبحت سببًا مباشرًا للعديد من الأزمات التي تواجه المجتمعات نظرا للاستخدام العشوائي والفوضوي لوسائل التواصل الاجتماعي ما جعلها تشكل خطرا على أمن واستقرار المجتمعات بسبب تحولها إلى وسيلة سهلة لبث الشائعات ونشر الأكاذيب والفتن وقدرتها أيضا على إلهاء المستخدمين وصرفهم عن الأعمال المفيدة وبين كل ذلك هناك العديد من الأسباب والتأثيرات المجتمعية السلبية التي تصيب مفاصل المجتمع نتيجة سقوط شرائح مجتمعية واسعة خصوصا صغار السن فريسة للشبكة العنكبوتية وخضوعهم تحت سطوة محتوى مصنوع يستهدف توجيههم إلى حيث يريد.

وقد أصدرت منظمة الصحة العالمية نهاية العام الماضي تحذيرا لافتا من خطر السوشيال ميديا إذ أكدت أن البيئة الرقمية بما فيها وسائل التواصل تمثل عامل خطر موثقا للصحة النفسية للأطفال والمراهقين ودعت إلى إجراءات عاجلة لحماية الشباب من المحتوى الضار
ولعل حالة الجدل والنقاش التي انطلقت قبل شهور في دول الاتحاد الأوروبي حول مخاطر السوشيال ميديا على صغار السن وتبني الاتحاد نهجًا شاملاً للحد من استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي يؤكد حجم المخاطر التي أصبحت تشكلها وسائل التواصل الإجتماعي حيث تسعى المفوضية الأوروبية إلى توحيد السياسات الرقمية لحماية الشباب وصغار السن وسط تصاعد دعوات التشدد في سن تشريعات تحظر على صغار السن استخدام السوشيال ميديا وبالفعل أعدت المفوضية الأوروبية مشروع قانون موحد سيطرح رسميًا بناء على توصيات لجنة من الخبراء ويحظر على الأطفال من سن 3 إلى 12 عامًا الاستخدام المنفرد للسوشيال ميديا والسماح بالدخول فقط لفترات زمنية محدودة وبإشراف مباشر من الأبوين أو المعلمين كما يحظر على الأطفال تحت سن 13 عامًا إنشاء حسابات على منصات السوشيال ميديا التي تشمل شبكات التواصل وألعاب الفيديو التفاعلية، وروبوتات الذكاء الاصطناعي ومن سن 13 إلى 18 عامًا يقضي القانون بمنح هذه الشريحة العمرية استقلالية تدريجية ومشروطة، بإلزام المنصات بتفعيل ميزات أمان تلقائية لحظر التصفح اللانهائي والتشغيل التلقائي للفيديوهات بينما يضغط البرلمان الأوروبي بقوة لرفع الحد الأدنى للسن إلى 16 عامًا بشكل موحد عبر القارة وحظر أي طفل أقل من هذه السن من الدخول حتى بموافقة الوالدين بل أن هناك دولا مثل بريطانيا وإسبانيا لم تنتظر صدور قانون موحد لأوروبا وقررت إعداد قوانين خاصة بها تحظر على الشباب في سن ١٦ عامًا استخدام السوشيال ميديا على الإطلاق فيما اصدرت أستراليا تشريعا بالفعل يمنع الشباب في سن اقل من ١٦ عامًا من استخدام السوشيال ميديا وعلى النقيض في الصين ومنذ سنوات طويلة أغلقت كل منصات التواصل الاجتماعي واكتفت بمنصة محلية للتواصل الاجتماعي فقط بين مواطنيها

هكذا يتحرك العالم لمواجهة هذا الخطر الداهم الذي يهدد بنيان الأسرة والمجتمع بل أمن الدول وفي مصر ربما الخطر أشد وأمر ولعل زيارة لعدة دقائق فقط لمواقع التواصل الاجتماعي تكفي لكشف أبعاد وحجم هذه المخاطر التي تهدد المجتمع وتماسكه على مدار الساعة ما بين شائعات مغرضة وأخبار مزيفة وبيانات ملفقة ..واتهامات باطلة وغيرها من سلوكيات وتصرفات غير مسئولة يمتلئ بها الفضاء الالكتروني المصري في مجتمع صاحب حضارة وتاريخ عريق طالما كان نموذجًا للتحلي بالقيم وحافظًا للأخلاق ومتمسكًا بتعاليم الدين وقيمه النبيلة.

لم يتوقف الاستخدام العشوائي للسوشيال ميديا عند حد هدم القيم والأخلاق، بل تجاوز ذلك إلى ضرب الاقتصاد وتغييب الوعي بقضايا التنمية، ولعل انتشار منصات ما يعرف بـ "المؤثرين" ومدعي الخبرة؛ الذين وجدوا في السوشيال ميديا وسيلة للتربح وتحقيق الكسب السريع على حساب مصالح الوطن والمواطن يعكس حجم الأزمة التي تشكلها مثل هذه المنصات حيث تحولت إلى قنوات لبث الشائعات حول قضايا محورية في مكونات الاقتصاد مثل البورصة والدولار والسياحة والعقارات والديون وكذا التشكيك في المشروعات وكلها قضايا شائكة تتطلب توافر عدد من المحددات فيمن يتحدث فيها من مؤهلات خاصة وخبرة وقدرة على الرصد والتحليل المبني على الحقائق؛ حتى وإن كانت تحقق مشاهدات فكثرة المشاهدات لا تعني صحة المعلومة.

يضاف إلى هذه الوقائع ما يجري في مواقع العمل في مصر إذ أن السوشيال ميديا واستخدامها العشوائي أصبح له تأثيرات خطيرة على الإنتاجية فلا شك أن استخدامها المفرط أثناء ساعات العمل يؤدي إلى تشتت الموظفين وانخفاض تركيزهم وتراجع انتاجيتهم ولعل إهدار دقائق أو ساعات من ملايين العاملين تتحول في مجموعها إلى خسائر إنتاجية جسيمة، كما تؤدي أيضًا إلى تعطيل مصالح المواطنين خصوصًا في الجهات التي تؤدي خدمات للجمهور.

واختتم بما بدأت .. فالسيوشيال ميديا شأنها شأن أي وسيلة تكنولوجية حديثة لها فوائدها التي لو استغلت أفادت المجتمع، لكن في ذات الوقت لها مخاطرها حين يتم اساءة استخدامها؛ وهو ما يحدث حاليًا ليس في مصر؛ فحسب بل في العالم الذي تنبه إلى هذه المخاطر، ومن ثم وأمام تلك المخاطر بات تقنين استخدام السوشيال ميديا أمرًا حتميًا تفرضه ضرورات مجتمعية؛ لمنع تفاقم الآثار الجسيمة التي يمكن أن تلحق بالمجتمع وأمنه القومي، وأحسب أن الحكومة ومجلس النواب تقع عليهما المسئولية الدستورية بسرعة التحرك لإعداد مشروع قانون يضع حدًا لهذه الفوضى التي تهدد الأمن القومي للبلاد، ويحافظ على الشباب من السقوط ضحية هذا الجنون الرقمي.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: