كيف نحمي النشء من هوس وسائل التواصل الاجتماعي؟

18-7-2026 | 14:33

المتأمل في أخطر ما يهدد أبناءنا سيكتشف أنه لا يجيء من الشارع، بل صار يأتي من شاشة صغيرة نضعها في أيديهم بحسن نية. دخلت وسائل التواصل الاجتماعي إلى بيوتنا فلم تستأذن، وجلست في صدر المجلس، وصارت أول ما تفتحه العين عند الصباح وآخر ما تغلقه عند المساء. وتحول الأمر من مجرد استخدام إلى تعلق، ومن تعلق إلى هوس. هوس بالمقارنة التي لا تنتهي، وهوس بعدد الإعجابات الذي صار ميزاناً للكرامة، وهوس بالظهور الذي يدفع صاحبه إلى أن يبيع صورته الحقيقية ليشتري صورة مزيفة ترضي المجهولين.

إننا اليوم أمام جيل وُلد فوجد العالم كله بين أصابعه. عالم بلا أبواب، وصاخب بلا سكون، وسريع بلا فرصة للتفكر. تعلم فيه الطفل أن كل شيء يأتي فوراً: الضحكة تأتي بمقطع، والمعلومة تأتي بعنوان، والتقدير يأتي برقم. فضعفت لديه عضلة الصبر، ووهن لديه معنى الانتظار، وصار يرى أن الحياة ماراثون من أجل لفت الأنظار لا رحلة من أجل بناء الذات. رأينا طالباً في الإعدادية ترك هواية الرسم التي كان يتقنها، لأنه بعد شهر من متابعة "فنانين التيك توك" اقتنع أن موهبته "عادية" ولا تستحق النشر. ورأينا فتاة في الثانوية تبكي لأن صورتها لم تحصل على العدد "الكافي" من الإعجابات، رغم أنها كانت أجمل صورها على الإطلاق.

وكثير من الآباء يسألون: هل نكسر الهاتف؟ هل نقطع الإنترنت؟ والإجابة: أن المنع في زمن الانفتاح وهم. وإن فعلناه سنصنع جيلاً جاهلاً بلغة عصره، منقطعاً عن أدواته. الحل إذن ليس في إغلاق النافذة، بل في تقوية المناعة والقدرة على التصدي لمن يقف أمامها.

تبدأ الحماية من الداخل، من البيت. من ذلك المكان الذي ينبغي أن يكون الملاذ الأخير للإنسان. تبدأ بأن نكون نحن القدوة قبل أن نكون الناصحين. فلا معنى أن نطلب من ابننا أن يغلق هاتفه ونحن لا نرفع أعيننا عنه حتى ونحن نأكل معه. إن الأبناء لا يتعلمون مما نقول، بل مما نعيش. أعرف أباً اتفق مع أبنائه على "ساعة بلا شاشات" كل يوم جمعة، يلعبون فيها كرة أو يطبخون معاً. بعد ثلاثة أشهر قال لي: "ابني هو اللي بقى يفكرني بالساعة دي". وحين نجعل في بيوتنا أوقاتاً مقدسة بلا شاشات، ساعة للطعام نتحدث فيها بعيوننا لا بأصابعنا، وساعة قبل النوم نقرأ فيها أو نتسامر، فإننا نعيد للبيت روحه: أن يكون موطن أنس لا موطن عزلة.

وبعد القدوة يأتي الفهم. لا يكفي أن نقول "هذا مضر" دون أن نشرح لماذا. اجلس مع ابنك وكاشفه. أخبره أن أغلب ما يراه من حياة مثالية هو لقطات منتقاة، وأن الصور تمر بفلاتر وزوايا وإضاءة، وأن كثيراً من "المؤثرين" يمارسون مهنة هدفها الأول أن يبقيك متصلاً. علمه أن يسأل: من الذي يتكلم؟ وماذا يريد مني؟ وأين الدليل؟ بهذه الأسئلة الثلاثة نزرع عقلاً لا يبتلع كل ما يُعرض عليه. رأيت مدرسة في إحدى المدارس طلبت من طلابها أن يعيدوا تصوير إعلان مشهور بهاتفهم. اكتشف الطلاب أن "العصير المنعش" كان صمغاً، وأن "الابتسامة الطبيعية" أخذت 40 لقطة. خرجوا من التجربة وهم يقولون: "إحنا كنا مصدقين ده؟"

لكن الوعي وحده لا يكفي إذا تُرك الفراغ. فالهوس لا ينمو إلا في أرض خالية. المراهق الذي لا يجد ملعباً يفرغ فيه طاقته سيفرغها في لعبة. والفتاة التي لا تجد منصة تعبر فيها عن موهبتها ستبحث عنها في مقطع قصير. والشاب الذي لا يشعر بإنجاز حقيقي سيرضى بإنجاز وهمي اسمه مشاهدات. يقينا، فإن أعظم حماية هي أن نملأ حياة أبنائنا بما يليق بهم. رياضة يتقنونها، كتاب يختمونه، آلة يتعلمونها، عمل تطوعي يشعرهم بقيمتهم. في *أكاديمية الفنون* رأيت طالباً كان يقضي 8 ساعات يومياً على الألعاب، التحق بورشة تصوير سينمائي. بعد ستة أشهر قدم فيلماً قصيراً في أحد المهرجانات  وحصل على جائزة. قال لي: "أول مرة أحس إني أنا اللي الناس بتتفرج علي، مش أنا اللي بتفرج".

ولا يمكن أن نترك المعركة للأسرة وحدها. فالمؤسسات الثقافية والتعليمية شريكة في هذه المسئولية. على *المكتبة* أن تبتكر طرقاً تجعل الكتاب منافساً للريلز، وأن تقدم تجارب قراءة تتحدث بلغة الشباب، مثل نوادي النقاش حول رواية تحولت لفيلم. وعلى الإعلام أن يختار: إما أن يروج للتافه فيهدم، أو أن يقدم النموذج الملهم فيبني. يكفي أن نرى قصة شاب اخترع تطبيقاً بسيطاً لحل مشكلة في قريته، أو فتاة بدأت مشروع رسم على القماش من غرفتها، فتحولت من متابعة إلى صانعة.

إن أخطر ما في وسائل التواصل ليس الجهاز ذاته، بل الفكرة التي يغرسها في العقل كل يوم. فكرة أن قيمتك بعدد المتابعين، وأن سعادتك مرهونة بتعليق، وأن نجاحك هو ما يظهر فقط. هذه أفكار قادرة على أن تصنع إنساناً هشاً، ينهار عند أول نقد، ويذبل عند أول تجاهل. من أجل ذلك كله فإن مهمتنا اليوم هي أن نعيد إلى النشء ميزان القيمة. أن نعلمهم أنهم ليسوا أرقاماً، وأن كرامتهم لا توزن ب (لايك)، وأن حياتهم أكبر من أن تختزل في قصة تختفي بعد أربع وعشرين ساعة.

لن نستطيع أن نغلق العالم الرقمي، ولا ينبغي. فهو نافذة على العلم والمعرفة والتواصل. ولكننا نستطيع أن نخرج منه بإنسان حر. إنسان يستخدم الأداة ولا تستخدمه، ويتصفح ولا يُستَهلَك، ويشاهد ولا يصدق كل ما يرى. إنسان لديه هدف أكبر من الشاشة، وهوية أعمق من (الترند)، وقلب لا يرتجف من أجل تعليق.

إن الحماية الحقيقية ليست جداراً نبنيه حول أبنائنا. الحماية هي أن نبني داخلهم إنساناً لا يغرق. إنسان يعرف من هو، ولماذا هو هنا، وإلى أين يريد أن يذهب. علموهم أنهم حكاية طويلة تُكتب بالجهد والقراءة والصداقة الحقيقية والعمل، لا في خانة التعليقات. علموهم أن قيمتهم في عطائهم لا في ظهورهم، وفي أثرهم لا في عددهم.

ظني أننا حين نفعل هذا كخطوات أساسية للتقويم وحماية مسار استخدام أبنائنا للرقميات العصرية الخطرة في حال الجهل بالمخاطر وعدم ترشيد التعامل معها ؛سنكون قد أدينا الأمانة. وسنمنح هذا الجيل فرصة نادرة: أن يعيش عصره بأدواته، لا أن يستعبده عصره بالأدوات ذاتها ويقع في دائرة إدمان لا شفاء منها ولنا فيمن جرفتهم الشاشات عبر ألعاب تلاعبت بعقولهم وسلبتهم حياتهم ونفذوا على أنفسهم خطوات انتحارية بتوجيه من اللعبة وذرفت الأهل بدل الدموع دما على التقصير حيث لا ينفع الندم بفقد فلذات الأكباد..حفظ الله أبناءنا من شر مستحدثات الحضارة الضارة وزاد من وعي الأسر على احتوائهم وإحاطتهم بالدروع الواقية من رفع وعيهم في فهم ما يستخدمونه وما يستجد  في المستقبل القريب..

كلمات البحث
الأكثر قراءة