18-7-2026 | 11:11

ثمة احتلالان نعيشهما اليوم، احتلال نعرفه جميعاً، الصهيوني الذي يغتصب الأرض، وينصب الحواجز، ويسفك دماء الأطفال بلا حسيب أو رقيب. واحتلال آخر لا يقل عنه بشاعة ولا خسة، احتلال يسرق الروح، ويقيم الأسوار بين المرء ونفسه، ويقتل المعنى في مهده. هذا الاحتلال اسمه "فيسبوك"، والمحتل هنا ليس قوة عسكرية غازية، بل نحن بأنفسنا؛ نحن المحتل، والمعتدي، والضحية، في مشهد عبثي لا يليق إلا بنا.

لست هنا لأقوم بدور الواعظ أو الشيخ أو القديس، ولست ممن يبالغون بلا داعٍ، إنما أنا مراقب تعود أن يمعن النظر في الجراح الإنسانية، وما تقع عليه عيناي الآن في هذه المنصة ليس سوى مشهد مروع من التدمير الذاتي الجماعي. مشهد أمة تجلس القرفصاء على لحمها الحي تنهشه بشراهة، ثم تضحك. يومياً، أراقب هذا الجحيم الصغير الذي نصنعه لأنفسنا طواعية وبلا إكراه، هذه المهاترات التي صارت رياضتنا المفضلة، وكأننا دخلنا حلبة مصارعة رقمية بلا قواعد، بلا أخلاق. الكل يصارع الكل، والضرب تحت الحزام هو الضرب المفضل بلا سبب واضح. صار الجميع عراة، لا يسترهم عن عيون الناس إلا الكراهية.

ثم يأتي التلقيح والتجريح، وتأملوا الكلمتين جيداً، إنهما من صميم عالم الطب والجروح. كان التلقيح فيما مضى وسيلة للوقاية من الداء، أما اليوم فصار وسيلة لنشر الداء ذاته. 

نلقح بعضنا بعضاً بالسموم القاتلة، وبدل أن نحمي مناعة مجتمعاتنا نعمل على تدميرها، وبدل أن نضمد الجراح نوسعها بمهارة جراح محترف، حتى صار كل منا بارعاً في إحداث الجرح الذي لا يلتئم. وفي السياق ذاته، يبرز التشهير كمحاكم تفتيش حديثة، بلا قضاة ولا محامين ولا قانون. التهمة جاهزة، والحكم صدر مسبقاً، والإعدام معنوي وفوري. نشهر بالناس كما يشهر الجزار بسكينه، ندمر سمعة إنسان في لحظة، نمحو تاريخ عائلة بكبسة زر، ننهي حياة اجتماعية بأكملها بلا محاكمة. وكل هذا من أجل ماذا؟ من أجل "لايك" أو "شير"! من أجل شعور زائف بالقوة والغلبة! أية قوة هذه التي تنبت كالفطر على أنقاض الآخرين؟ وأية غلبة هذه التي أساسها الوحل؟

أما الافتراء، ففي هذا العالم المقلوب صار هو الأصل وليس الاستثناء، صار الكذب هو القاعدة، والحقيقة هي الغريبة الشاردة التي تبحث عن مأوى. نفتري على من نكره، ونفتري أحياناً على من نحب، نفتري لننتصر في جدال عقيم، ونفتري لنبرر موقفاً مهتزاً، ونفتري لأننا ببساطة نسينا شكل الحقيقة. في عالم الافتراء الدائم تضيع المعايير كلها، فلا أحد يعود يدري ما هو الصدق بعد أن تبادل الضحية والجلاد المواقع كل دقيقة. 

ويغذي هذا كله "الهري" و"الهبد"، وهما كلمتان عاميتان تصفان بدقة ما يحدث. إنه سيل من الكلام الفارغ الذي لا معنى له ولا مضمون، طوفان من التفاهة يغرقنا جميعاً. نقول أي شيء، نكتب أي شيء، نشارك أي شيء، وخاصة الشائعات، المهم أن نبقى في الضوء، المهم أن نكون هنا، وكأن خشيتنا من الصمت صارت أشد من خشيتنا من الكذب، وخشيتنا من الفراغ أعظم من خشيتنا من التلوث الفكري. وها نحن نملأ فراغنا الروحي بأي قمامة.

والتعالي هو النتيجة المرة لكل ما سبق؛ فعندما يمارس الإنسان الهري والهبد والافتراء والتشهير والشائعات لفترة كافية، يبدأ في تصديق نفسه ويؤمن بأكاذيبه، يشعر أنه يفهم فعلاً، وأنه الخبير الوحيد، وأنه فوق البشر. وهكذا تتضخم الأنا حتى تملأ الشاشة كلها، فلا يبقى فيها مكان لأي أحد آخر. 

صرنا أمة من "المستبدين" الصغار، كل واحد فينا يحكم إمبراطورية وهمية على فيسبوك، ويحقق انتصارات وهمية، ويشعر في النهاية أنه الإمبراطور. 

وبالتوازي مع هذا التعالي، تأتي "النفخة الكدابة"، أي تضخيم الذات المصحوب بالكذب؛ ننفخ في أنفسنا كالبالونات، ننفخ في إنجازاتنا التافهة، في آرائنا السخيفة، في أيامنا الفارغة. ننشر صور نجاحاتنا المزعومة ونخفي إخفاقاتنا، نبرز عضلاتنا الوهمية. لكن الحقيقة المرة هي أننا بالونات مملوءة بالهواء، ورغم ذلك نخاف من الحقيقة، نخاف ممن يذكرنا بحجمنا الطبيعي، لذلك نهاجمه بشراسة.

ويقودنا هذا المسار المنحدر كله إلى "المرار الطافح"، مرارة في الحلق، مرارة في القلب، مرارة في الروح. أنا شخصياً أتذوق هذه المرارة كلما فتحت هذا الموقع، أشعر بها في كلمات الناس، في تعليقاتهم، في نظراتهم حتى وهم يبتسمون في الصور. 

هناك غضب هائل مختزن، غضب لا يعرف صاحبه اسماً ولا وجهاً، غضب من الحياة، من الظلم، من الهزيمة، من العجز. لكن بدل أن نوجه هذا الغضب إلى أسبابه الحقيقية، نوجهه إلى بعضنا بعضاً، نقصف أقرب جسر، ونحرق أقرب حقل، وندمر أقرب إنسان. إنه "المرار" مرارة أكثر، وغضب أكثر، وسخط على كل شيء، مزاج عام من القرف والضيق والتململ. لم نعد نطيق شيئاً ولا أحداً؛ لا نطيق الخبر الحلو ولا الخبر المر، لا نطيق النكتة ولا المأساة، لا نطيق النجاح ولا الفشل، لا نطيق حتى أنفسنا. ومن هذا المرار النفسي تتولد "أوجاع القلب والدماغ"، أمراض ناتجة عن أمراض رقمية؛ صداع، آلام، اكتئاب. لقد اختلط الواقعي بالافتراضي حتى صار الافتراضي هو الواقعي الوحيد، وأنت ترى بعينيك إنساناً يبكي بسبب تعليق، ويمرض بسبب منشور، وينهار بسبب إشعار.

وإذا كان البعض يصف هذا كله بتعبير "تضييع وقت"، فإنني أراه تخفيفاً لا يليق بحجم الكارثة؛ إنه ليس تضييع وقت فقط، إنه قتل للوقت، إعدام للعمر بدم بارد. ساعات وأيام وشهور وسنوات تذهب في هذه الدوامة، الوقت الذي كان يمكن أن نبني فيه شيئاً، نتعلم فيه شيئاً، نحب فيه أحداً، نصلح فيه خطأ، نزرع فيه شجرة، كله ذهب، تبخر، مات، وهذا العمر الذي ذهب لن يعود. وحين يقال إن هذا هو "أول سبب في دخول جهنم"، فإنني هنا، في هذه النقطة بالذات، لا يمكنني أن أتحدث باسم الدين، لكن يمكنني أن أتحدث باسم الإنسانية. هذه المنصة، بهذا الاستخدام المريض، هي جهنم حقيقية على الأرض، جهنم من صنع أيدينا. نحن لا ننتظر الآخرة حتى ندخل الجحيم، نحن نعيش فيه الآن؛ كلنا نحترق، وكلنا نحاول إحراق غيرنا.

وأخيراً، أريد أن أقول شيئاً قد لا يعجبكم؛ هذا الذي يحدث ليس قدراً محتوماً، نحن لسنا ضحايا أبرياء لمارك زوكربيرج أو لشركة "ميتا"، فالقصة أبشع من هذا. الشركات صنعت الأداة فقط، لكننا، نحن البشر، من جعلناها جحيماً، نحن من اخترنا الكراهية على الحب، والكذب على الصدق، والفراغ على المعنى، والموت على الحياة. في كل صباح، عندما تفتحون هذا الموقع، اسألوا أنفسكم هل أنا ذاهب لأعطي أم لآخذ؟ هل أنا ذاهب لأبني أم لأهدم؟ هل أنا ذاهب لأشفى أم لأمرض؟ هل أنا ذاهب لأحيا أم لأموت؟ الفيسبوك ليس هو المشكلة، المشكلة هي أننا فقدنا البوصلة، فقدنا معنى أن نكون بشراً. 

والاحتلال الفعلي هو احتلال العقل والروح، والمقاومة السليمة هي أن تستعيد إنسانيتك المسلوبة، كلمة كلمة، دقيقة دقيقة، نفساً نفساً. أغلقوا الشاشة، انظروا إلى وجوه من حولكم، تكلموا معهم، المسوا أيديهم، ابكوا معاً، اضحكوا معاً، فهذه هي الحياة. أما العالم الأزرق، فليس سوى سراب، سراب يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.

كلمات البحث
الأكثر قراءة