لطالما اقترن اسم "مصر" بالسكينة، وظلّت "المحروسة" عبر تاريخها بلدًا يفيض بالأمن والأمان، وملاذًا يجد فيه القاصي والداني طمأنينةً يستشعرها كل من وطئت قدماه أرضها، مصداقًا للوعد الإلهي الخالد: «ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ».
غير أن هذه الطمأنينة المعهودة باتت اليوم تواجه منغصًا مقلقًا وتحديًا يتسلل إلى تفاصيل حياتنا اليومية؛ إذ أصبحت ظاهرة انتشار الكلاب الضالة في شوارعنا تهديدًا حقيقيًّا يمس هذا الأمان في مقتل، ويحيل دروبنا الآمنة إلى مساحات مشحونة بالخوف والتوجس؛ مما يؤثر سلبًا على سكينة المواطن وسلامته في بلدٍ كان وسيظل، بإذن الله تعالى، موطنًا للأمن والأمان.
فلقد شهدت الآونة الأخيرة تزايدًا ملحوظًا لظاهرة الكلاب الضالة في جميع محافظات المحروسة، حتى أصبحت تشكل خطورةً حقيقيةً على الناس في الطرقات، وخاصة الفئات الأكثر ضعفًا كالأطفال، والنساء، وكبار السن.
ولا تقتصر خطورة هذه الكلاب الشاردة على مجرد ترويع المارة، بل إنها تمثل تهديدًا جسديًّا ونفسيًّا مباشرًا؛ حيث تتسبب هجماتها المفاجئة في إصابات جسدية بالغة، قد تصل إلى حد العقر، ونقل الأمراض الفيروسية الفتاكة، وعلى رأسها مرض داء الكلب (السعار)، وتزايد أخبار الحوادث الناتجة عن عقر الكلاب للمارة يوميًا لا يحتاج إلى دليل، فضلاً عن الصدمات النفسية، وحالات الرعب والهلع التي تلازم الضحايا، وخاصة الأطفال، طوال حياتهم، وتجعل من السير في بعض الشوارع خطرًا يهدد السلامة العامة للمواطنين يوميًّا.
وتحولت شوارعنا الآمنة، التي كانت ملاذًا للصغار وممشى مألوفًا للكبار، إلى مساحات مشحونة بالتوتر والترقب؛ حيث بات كل منعطف يثير قلقًا كامنًا، وكل نباحٍ يبعث على الارتياب.
إن هذا الخوف غير المرئي، الذي يتسلل إلى نفوس المارة ليلًا ونهارًا، يسلب المدن روحها الحميمة، ويحرم أطفالنا من بهجة استكشاف طفولتهم بحرية، ويجبر كبار السن على العزلة الاختيارية خلف الجدران؛ خوفًا من غدر ناب شارد، ولم تعد المشكلة مجرد حوادث عارضة، بل باتت استنزافًا نفسيًّا مستمرًّا يعكر صفو السلم الاجتماعي، ويعيد تشكيل علاقتنا بالشارع، ويجعل من استعادة الأمان فيه مطلبًا إنسانيًّا ملحًّا قبل أن يكون وقائيًّا.
وامتدادًا لتلك الممارسات المزعجة، فقد طالت أضرار هذه الكلاب ممتلكات المواطنين وسياراتهم الخاصة بشكل مباشر؛ إذ لم يعد غريبًا أن ترى أسراب الكلاب وهي تستعمل أسقف السيارات كأسرّة مريحة للنوم والاسترخاء، مسببةً تلفيات وخدوشًا بالغة في الهيكل والطلاء الخارجي للمركبات، ولا يقف الأمر عند هذا التشويه، بل تعمد الكثير من الكلاب إلى وضع صغارها والاحتفاظ بجرائها أسفل تلك السيارات كمأوى آمن لها، وإذا ما أردت الاقتراب لتركب سيارتك والذهاب لقضاء حوائجك، تفاجأ بالكلبة الأم تعترض طريقك بشراسة بالغة، وتمنعك من مجرد الاقتراب من سيارتك؛ دفاعًا عن صغارها، مما يضع أصحاب المركبات في مأزق يومي، يجمع بين الخوف من التعرض للهجوم، والعجز عن استخدام ممتلكاتهم الخاصة بحرية.
ومن هنا، فإننا نتوجه بمناشدة عاجلة ومطالبة جادة ومسئولة إلى الأجهزة التنفيذية المختصة لضرورة التدخل السريع، وإيجاد حلول حاسمة وناجعة تنهي هذه الظاهرة المزعجة من جذورها، في جميع المناطق، وليس الراقية فحسب، مستلهمين في ذلك تجارب الدول المتقدمة التي نجحت في ترويض هذه الأزمة وتوفير بيئة آمنة لمواطنيها.
إن الحلول العلمية المستدامة تبدأ من تطبيق برامج التعقيم والتحصين المعتمدة عالميًّا؛ مثل برنامج (TNVR) المعني بجمع الكلاب برفق وتعقيمها للحد من تكاثرها غير الطبيعي، وتطعيمها ضد السعار قبل إعادتها لبيئتها، وهو النموذج الذي أثبت نجاحًا كبيرًا في بلدان أوروبية عديدة؛ مثل هولندا التي أعلنت خلوها تمامًا من الكلاب المشردة دون اللجوء للقتل، بل عبر قوانين حيازة صارمة، وتشجيع التبني، وفرض ضرائب على شراء الكلاب الجديدة؛ لتعزيز قيمة إيواء كلاب الشوارع بالملاجئ المخصصة.
كما أن السيطرة على مصادر الغذاء؛ من خلال الإدارة الحديثة والمغلقة لمنظومة النفايات والقمامة، تسهم بشكل حاسم في تقليص تجمعات هذه الحيوانات داخل المدن والمناطق السكنية.
وإلى أن تتبنى الجهات المعنية تلك الحلول والخطط المستدامة على أرض الواقع، يصبح اقتناء وحيازة بخاخات الدفاع عن النفس (الإسبراي) بمثابة الدرع الواقية والحل الفردي المؤقت والضروري الذي لابد للمواطنين من الاعتماد عليه لتأمين خطواتهم في الشارع والحد من شراسة أي هجوم مباغت.
وتعمل هذه البخاخات على إحداث رد فعل مفاجئ أو تشتيت مؤقت للكلب، مما يمنح الشخص المستهدف فرصةً آمنةً للابتعاد عنها وتفادي أذاها.
ومن أبرز هذه الوسائل المتاحة بخاخات الفلفل المخصصة للكلاب (Dog Pepper Spray)؛ وهي عبارة عن مستحضرات تحتوي على تركيز أخف وأقل حدة من بخاخات الفلفل المصممة أصلاً للبشر؛ (وذلك بموافقة واعتماد الهيئات البيئية والصحية العالمية مثل الـ EPA).
وتكمن فاعلية هذا النوع في أنه يُسبب تهيجًا مؤقتًا وصعوبةً مؤقتةً في الرؤية والتنفس لدى الكلب المهاجم، دون أن تلحق به أي ضرر دائم أو مستديم، فإن الهدف الأساسي والمنشود من هذه البخاخات هو إيقاف الهجوم فورًا، وشل حركة الكلب مؤقتًا؛ لتمكين الشخص من الفرار، والابتعاد الآمن عن تلك الكلاب الشرسة.
وختامًا، وأمام هذا التحدي المتنامي في الشارع المصري، يبرز تساؤل مهم يفرض نفسه: هل يمكن توفير وتسهيل الحصول على تلك البخاخات كحلٍّ مؤقتٍ ومساندٍ لظاهرة تزايد أعداد الكلاب في الطرقات، حمايةً للمواطنين وسلامتهم حتى يتم تنفيذ الحلول الناجعة والمستدامة لهذه الأزمة جذريًّا؟!