ومن لا يحب محمد فوزي!!.. سعدت جدا عندما قرأت أن الجزائر قامت بتكريم الملحن محمد فوزي بذكرى الاستقلال الرابعة والستين.. بحضور بعضٍ من أهله.. وفوزي هو ملحن النشيد الوطني الجزائري "قسمًا".
ولهذا لم يكن تكريم الجزائر للموسيقار المصري محمد فوزي مجرد احتفال بفنان رحل قبل 60 عامًا. بل كان احتفالًا بفكرة أعمق.. أن بعض الأعمال الفنية تهزم الزمن.. والوفاء من جهة أخرى.
فهناك أغانٍ نسمعها... ثم ننساها.. وهناك أغانٍ تتحول إلى جزء من الذاكرة.. لكن هناك ألحانًا نادرة.. لا تعيش في ذاكرة الناس فقط، بل تدخل في ذاكرة الأوطان.. منها بالطبع النشيد الوطني للدولة وهنا هي الجزائر.
أعتقد أن الفنان دوما يبحث عن النجاح.. وعن التصفيق.. وعن الشهرة.. أما محمد فوزي فقد وجد نفسه، في لحظة من لحظات التاريخ، يلحن نشيدًا لثورة ليست ثورته.. ولوطن ليس وطنه.. لكنه كان يرى أن الحرية وطن أكبر من الحدود.. وأن هناك وطن آخر يمكن أن يكون وطنا له.
وهنا تكمن المفارقة.. السياسة والجنسية ترسمان الحدود.. أما الفن، فيمحوها ويهدمها ويذيب الفروق بين الشعوب.
كم من معاهدة واتفاقية ومذكرات تفاهم، انتهى أثرها بعد سنوات؟.. وكم خطاب سياسي لم يعد أحد يتذكره؟.. لكن الفن والإبداع مازالا قادرين على جمع الشعوب.. وفوزي استطاع بلحنه أن يجعل ملايين تردده كل صباح.
أليس هذا غريبًا؟.. لا ليس كذلك.. هذه هي القوة الناعمة للفن والقوة الناعمة المصرية التي نحلم بها جميعًا.
ربما لهذا السبب تحفظ الشعوب أسماء الفنانين أكثر مما تحفظ أسماء الوزراء.
فالسياسي التقليدي يعيش في أرشيف الدولة. وكتب تاريخها.. أما الفنان... فيعيش داخل الناس داخل البشر العاديين.
نعود للجزائر، هناك في أوبرا الجزائر، لم يكن التكريم موجهًا إلى أسرة محمد فوزي وحدها.. كان موجهًا إلى قيمة أصبحت نادرة في عالمنا... هي الوفاء.. أن تتذكر من وقف معك بعد ستة عقود...
أن تكرم من أعطاك دون أن يطلب مقابلًا.. وأن تقول للأجيال الجديدة إن التاريخ لا يُكتب بالسلاح وحده، بل بالقلم، وبالريشة، وباللحن أيضًا.
ولعل أجمل ما قيل في تلك الأمسية، ليس كلمات الاحتفاء نفسها، بل الفكرة الكامنة خلفها.. فالدكتورة مليكة بن دودة وزيرة الثقافة الجزائرية تحدثت عن شكر الغائبين.. وكم يبدو هذا التعبير إنسانيًا بالدرجة الأولى.. فنحن نجيد الاحتفاء بالحاضرين.. لكن اختبار الأخلاق الحقيقي أو الوفاء الحقيقي يبدأ عندما يصبح صاحب الفضل غائبًا.
كلنا يعرف أن محمد فوزي لم يكن مقاتلًا في جبال الجزائر.. ولم يحمل بندقية.. حمل نغمًا.. وبالفعل أصاب أجيالًا كاملة هناك في الجزائر وفي مصر أيضا.
ولهذا ظل "قسماً" أكثر من نشيد.. صار ذاكرة صوتية لأمة..
ومن الطريف والعجيب أن محمد فوزي، الذي أسعد ملايين الأطفال بأغنياته، هو نفسه الذي منح إحدى الثورات أشهر ألحانها.. وهذه كانت أشهر الاعتراضات التي وجهت إليه عندما بدأ في تلحين النشيد.. هو فنان يغني للطفل.. فكيف يغني للوطن.
لكن لأنه كان صادقًا في الحالتين.. فقد نجح في كليهما.
لا أحب أن أكرر الكلام الإنشائي عن العلاقة بين مصر والجزائر وبين الدول العربية بعضها البعض لأن هذا أمر واضح للجميع ومعروف.. فالمحبة لم تُبنَ فقط فوق صفحات التاريخ والسياسة.. بل بنتها أيضًا أصوات المطربين.. ونوتات الملحنين.. وقصائد الشعراء.. وخطب السياسيين.
لكن تظل الثقافة أكثر حكمة من السياسة.. وأكثر عمقا في التقريب بين الشعوب.
أعتقد أن السياسة تصنع الدول.. ولكن الواقع أن الفن هو الذي يصنع وجدانها.. والسياسة ترسم الحدود بـ "المسطرة"، والموسيقى تلغيها بـ "النغمة" و"اللحن".
في الحفل، غنى المطربون أغنية منسية عثروا عليها في زوايا "اليوتيوب".. أغنية اسمها "مليون شهيد".. غناها فوزي عام 1962 وعاشت في غيابات النسيان.
ما أعجب هذا الزمان!
شكرًا الجزائر على تكريم الفنان المصري محمد فوزي بعد كل هذه السنين.. شكرًا محمد فوزي على كل إبداعاتك.