"ماراثون" التصحر والاستدامة..

16-7-2026 | 14:04

تظل الزراعة العنوان والسند الأقوى للاستقرار والحفاظ على معادلة الحياة ونموها، في المقابل لم تتوقف الكوارث الطبيعية والبشرية، ومضارها المؤثرة على عمليات إنتاج وتوفير الغذاء.. هذا الصراع، و"الماراثون" بينهما على الكوكب، يظل هو الاختبار اليومي والمؤشر للحياة الدنيا، والحياة الآخرة، كما يقدر الخالق سبحانه، ليستمر هذا الصراع والمراوحة بين من "يزرع"، ومن "يقلع"، وكأنه بمثابة اختبار واختيار للإنسان في كل حين ومكان.

وإذا كان تغير المناخ يعصف أولًا وأخيرًا بالغذاء والمحاصيل الزراعية، يضاف اليه المخاطر بفعل البشر، مثل التلوث الصناعي ومعه الصراعات والحروب العابرة للجدود، ما يتطلب منا جميعًا حلولا حاسمة، وإجابات واضحة لمواجهتها والتفاعل معها، فالعلاقة بين المناخ المتغير، وبين كل من التنوع البيولوجي، والطاقة المتجددة، والزراعة الذكية، وإدارة المياه، والتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، والحلول الخضراء،  لم تكن أكثر وضوحًا إلحاحا مما هي عليه اليوم، لذلك، لتصبح تداعيات الكوارث المناخية والبشرية او ما يعرف بـ"التصحر"، هي محور اهتمام العلماء والمفكرين والمتخصصين ومتخذي القرار.

ولا تتوقف آثار هذا التصحر عند الجفاف ونقص الموارد المائية وانخفاض الإنتاج الزراعي فقط، بل تتجاوزه  لتشمل انهيار النظم البيئية، وزيادة النزوح البشري، وانهيار منظومة التنوع البيولوجي، وتجسده "القائمة الحمراء"، التي يصدرها "الاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة -   "IUCN التابع للأمم المتحدة، وتشمل أعداد الكائنات والحيوانات، والنباتات التي تلقى حتفها بسبب الاختفاء أو بالانقراض.

التقارير الأممية قدرت نزوح حوالي 50 مليون شخص بحلول عام 2030 بفعل التصحر، تهدد الأمن الغذائي والاقتصادي والاجتماعي للملايين من البشر، كما تتراوح الأراضي المتدهورة ما بين 15 – 60 مليون كيلومتر مربع، واذا علمنا ان هناك 40% من المناطق المعرضة للتصحر تقع في قارتي آسيا وإفريقيا، فلا نندهش إذا علمنا أن 2 مليار إنسان في آسيا يعيشون على أراضٍ قاحلة، يقابلهم  في إفريقيا، حوالي مليار شخص، يواجهون مخاطر الجفاف.

يعود التصحر إلى أسباب طبيعية وبشرية، يتقدّمها الجفاف المتكرر والمستمر، وهو ظاهرة تتزايد بفعل الاحترار العالمي، ولن تجدي نفعا سياسات رد الفعل، والإدارة بمنطق "سد الخانة"، أو السياسات التقليدية التي تحاول معالجة المشكلات البيئية، بعد حدوثها.

يقدر خبراء المناخ وعلماء البيئة، أن عدد سكان العالم، الذي يبلغ اليوم 8 مليارات إنسان، يقترب من 9.7 مليار نسمة مع مشارف عام 2050، وهذا التطور سيؤدي إلى تزايد الضغط على النظم البيئية والموارد الطبيعية،  لينعكس سلبًا على الأمن الغذائي خاصة في دول العالم النامية.

ومع تفاقم الزيادة السكانية وما يتبعها من زحف عمراني ستتقلص مساحة الرقعة الزراعية، وطبقا لدراسات إحصائية حديثة، فإن معدل استهلاك المياه عالميا  يتراوح ما بين إلي 68% - 80% في قارة إفريقيا، وفي مصر يبلغ 85%.

تشير التقارير إلى زيادة معدلات الجوع وانعدام الأمن الغذائي، فقد قفز عدد الأشخاص الذين تخدمهم بنوك الطعام بنسبة 132٪ في 44 دولة حول العالم بين عامي 2019 و2020، طبقا لشبكة " Global Food Banking Network "، حتى في الولايات المتحدة،  فقد لجأ ما لا يقل عن 60 مليون شخص - واحد من كل خمسة أمريكيين - إلى المساعدات الغذائية الخيرية في عام 2020.

وتزامنا مع جهود عربية وتحركات دولية لمواجهة نمو ظاهرة "التصحر"، تبنت "رابطة محرري البيئة" بنقابة الصحفيين، خلال ندوتها مؤخرا بمبنى النقابة، قضية نمو الظاهرة محليا وإقليميا وعالميا، بعنوان “اليوم العالمي لمكافحة التصحر.. المراعي والأراضي الزراعية: وفرص الحفاظ عليها ومواجهة التحديات”، إدارتها د. نعمة الله عبد الرحمن، رئيس الرابطة، وضمت  نخبة من الخبراء المسئولين والعلماء، حيث أشار السفير محمود فتح الله، مدير إدارة البيئة بجامعة الدول العربية، الرؤية الشاملة للعمل العربي المشترك في مواجهة الأزمات المناخية، إلى أهمية الشراكات الإقليمية والدولية  لتعزيز قدرات الدول الأعضاء في مكافحة التصحر، والحد من تدهور الأراضي.

أما خبير برامج إدارة التربة في "منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة  - الفاو" د. أشرف الصادق، فقد استعرض آليات الإدارة المستدامة للتربة والبرامج الأممية الداعمة للدول للحد من تدهور الرقعة الزراعية.

وقدم د. حسن الشاعر، نائب رئيس مركز بحوث الصحراء الأسبق ومدير مركز التميز المصري للزراعة الملحية، تحليلًا علميًا ميدانيا للوضع الراهن، مؤكدًا أن “ظاهرة التصحر تُعد من أخطر التحديات البيئية والزراعية التي تواجه مصر حاليا، منبها الي خطورة انخفاض خصوبة التربة وتراجع إنتاجية المحاصيل، إضافة إلى فقدان الأراضي الزراعية بسبب زحف الرمال والتوسع العمراني.

وإذا كان رائد علم البيئة الصحراوية، والأب الروحي لمكافحة التصحر د. محمد القصاص، هو أول من أطلق مفهوم "التصحر" في العالم، وهو مصطلح من 4 حروف، لكنه يختزل أبجديات الجفاف والتلوث وغياب الوعي وتراجع الموارد وتقلص النمو البشري والطبيعي، فهل تشهد "اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر –UNCCD"، خلال مؤتمر "COP17"، أغسطس المقبل بمنغوليا، دفعة جادة، مع تولي د. ياسمين فؤاد، وزير البيئة السابقة، منصب الأمينة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر والجفاف، بعد أن أعلنت مبدأ متفائل وهو: "استعادة الأرض واستعادة المياه، تسيران جنبًا إلى جنب".

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة