للناس فيما يعشقون مذاهب، فما يعجبني قد لا يعجبك، وكما نردد دائمًا الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، أو بمعنى أصح لا يجب أن يفسد للود قضية، وفي نهاية الأمر لك مذهبك ولي مذهبي.
عند هذا الحد لا توجد مشكلة، طالما استقر الأمر عند مجرد الاختلاف في الرأي أو الذوق أو المزاج، إلى آخره من الأمور التي يستحيل الإجماع عليها.
لكن عندما يصبح للناس فيما يعشقون "عجائب وغرائب" فهذا هو العجب العجاب الذي يحير الألباب!!
عادي جدًا أن تجد من يحب الاستماع إلى أم كلثوم ومن لا يحب ذلك. أن تجد واحدًا من الناس يرى صوتها "مش حلو".. عادي جدًا طالما كان هذا الواحد من الناس غير متخصص، ويعتمد في تقييمه على ذوقه ومزاجه الخاص. لكن الغريب والعجيب أن تجد اثنين من المتخصصين الفاهمين الواعين، يؤكد أحدهما عبقرية وسلامة وقوة وتمكن صوت أم كلثوم، بينما يصر الآخر على ضعف صوتها وعدم تمكنه وعدم صلاحيته للغناء، هنا لا بد أن تكون للعقل وقفة لفهم ما يحدث.
أثير هذا الأمر في عقلي وأثار حيرتي عندما وجدت -في بداية انخراطي في مجال البحث العلمي- أحد المراكز البحثية العربية الكبرى يعلن عن تلقي الأبحاث المتخصصة ونشرها في كتاب مقابل مبلغ نقدي متواضع، لكنه كان يمثل لي في تلك المرحلة ثروة تكفيني أنا وأسرتي للعيش عدة شهور. واجتهدت -قدر استطاعتي- وبحثت وتقدمت بفكرة بحث وافق عليها المركز فورًا، وأصبحت ملتزمًا بتنفيذها في وقت محدد. لم يكن متاحًا في ذلك الوقت أجهزة كمبيوتر ولا رسائل إلكترونية، فكان التعامل عن طريق البريد العادي الورقي، وكان سبيلي الوحيد لتنفيذ البحث هو البحث عن المراجع على أرفف المكتبات.
ووفقني الله أن أكمل البحث في الموعد المحدد وأرسله إلى المركز وأنتظر نتيجة التحكيم. وبعد فترة طويلة استلمت ظرفًا كبيرًا يحمل ملاحظات وقرارات لجنة التحكيم التي تتكون من ثلاثة من كبار المتخصصين في مجال البحث.
عندما فتحت الظرف وجدت ثلاث مجموعات من الأوراق وخطابًا من المركز يحمل القرار النهائي بالموافقة أو الرفض، وفضلت البدء بقراءة قرارات التحكيم. كانت الورقة الأولى مجرد صفحة واحدة تحمل سطورًا قليلة، لا تجد مشقة في قراءتها والوصول سريعًا إلى قرار المحكم بالموافقة على البحث لجديته وحسن صياغته وقوة مرجعياته وسلامة اللغة....لا أخفي عليكم ما شعرت به في تلك اللحظة من سعادة لا تقل عن سعادتنا بالهدف الأول الذي أحرزه منتخب مصر في مباراته مع منتخب الأرجنتين.
الرجل أعجبه كل شيء وأوصى بقبول البحث ونشره بدون أي ملاحظات. وعلى الفور تشجعت وتناولت المجموعة الثانية من الأوراق التي كانت حوالي خمس صفحات ممتلئة، ليفاجئني الرجل على غير استحياء أنه لم تعجبه كلمة واحدة مما كتبت! لم تعجبه سوى الفكرة، لكن الأسلوب والمراجع والصياغة وجدية البحث...إلخ، لم يعجبه شيء!!
وأصابتني كلماته في مقتل، وسببت لي من التعاسة ما يفوق تعاستنا جميعًا عندما ألغى الحكم الفرنسي هدف مصر الثاني في مرمى منتخب الأرجنتين!!
كل ما أعجب المحكم الأول بات مرفوضًا من زميله!!
وظللت أنظر إلى كليهما وأنا في حيرة من أمري، كيف ذلك؟ كيف لاثنين من الخبراء أن تأتي منهما تلك الصورة المبهمة حول بحث علمي. أنا لا أقدم وجهة نظر مجردة، ولكن بحث وأدلة علمية وتأريخ لأمور معينة ثابتة بالدليل والبرهان، ثم أوصى بما أراه مناسبًا، إن لم تعجبك توصياتي فلا مشكلة، لكن أن أجد من يراني رائعًا ويمدحني شعرًا دون أدنى ملاحظة، ثم آخر يقتلني هجاءً ويلعن أسلافي، وكلاهما متخصص ومحكم، فهذا بالتأكيد شيء محير!!
أذهلني ما وجدت حتى نسيت أن هناك مجموعة أوراق المحكم الثالث التي سوف تكون الفيصل بينهما، فهو لابد وأن يؤيد أحد المحكمين السابقين، وبالتالي يتم رفض البحث أو قبوله.
وعندما قرأت وجدت الرجل وقد قرأ وفهم واعتدل في حكمه واختياره لكلماته، وقرر أن البحث ممتاز وفيه كثير من الميزات، وأنه لا ينقصه إلا قيام الباحث بضبط بعض الملاحظات ليكون البحث إضافة للمكتبة العربية!! ووفقًا لذلك طلب المركز أن أقوم بتلك التعديلات، فاجتهدت في ضبط بحثي ثم أعدت إرساله، وتم نشره في واحد من أكبر المراكز البحثية في الشرق الأوسط وتلقيت مكافأتي. فأعادت لي كلماته وقراره سعادتي بعملي بقدر ما أسعدنا هدفنا الثاني في مرمى الأرجنتين الذي جاء ليحقق لنا العدالة التي انتهكها التحكيم عند إلغاء الهدف السابق.
ومن يومها عرفت أن "للناس فيما يعشقون عجائب، ليس لها أرض أو وطن أو عنوان"!!