15-7-2026 | 17:40

في لحظة ملتهبة بمنطقة الخليج يبدأ رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي زيارته الأولى لأمريكا، معلنًا رغبته في تعميق الشراكة مع الولايات المتحدة، ونقل العلاقة بين البلدين من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة خلق الفرص، وذلك وفقًا لما أكده في مقال نشرته صحيفة "واشنطن بوست". وربما لم يكن يتمنى الزيدي أن تلتهب مواجهة واشنطن وطهران في هذه الأوقات، مما يصعب من مهمته لإحداث نقلة في مسيرة بلاده.

وفي العراق، لا تُقاس قوة رئيس الوزراء بما يعلنه من برامج أو وعود، بل بقدرته على تنفيذها وسط شبكة معقدة من التوازنات السياسية والحزبية والإقليمية. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي بعد الأسابيع الأولى من تولي علي الزيدي رئاسة الحكومة ليس: ماذا يريد أن يفعل؟ بل: هل يمتلك الإرادة والأدوات والدعم السياسي الكافي لتنفيذ مشروعه؟ اختار الزيدي أن يبدأ من الملف الأكثر حساسية، والأكثر ارتباطًا بثقة المواطن في الدولة، وهو ملف الفساد. فجاءت حملة "صولة الفجر" لتشكل أول اختبار حقيقي للحكومة الجديدة، بعدما طالت نوابًا ومسئولين سابقين، ووكلاء وزارات، ومديرين عامين، وأسفرت عن مصادرة ملايين الدولارات، ومليارات الدنانير العراقية، إلى جانب كميات كبيرة من الذهب والمجوهرات.

ولم يكن حجم الأموال المضبوطة وحده هو ما منح الحملة أهميتها، بل الرسالة السياسية التي حملتها، ومفادها أن الحكومة مستعدة لفتح ملفات ظلت لسنوات طويلة توصف بأنها من "المحرمات"، وأن أحدًا لن يكون بمنأى عن المسئولية والمساءلة إذا توفرت الأدلة القانونية. ولهذا، استقبل الشارع العراقي هذه الخطوة بقدر كبير من التفاؤل، واعتبرها كثيرون بداية فعلية لمرحلة جديدة، وربما أول مؤشر جاد على أن الحكومة الجديدة تريد استعادة هيبة الدولة وإعادة الاعتبار لسيادة القانون. غير أن هذه البداية، على أهميتها، لا تمثل سوى الخطوة الأولى في طريق طويل وشديد التعقيد.

فالفساد في العراق لم يعد مجرد تجاوزات مالية أو إدارية، بل تحول عبر أكثر من عقدين إلى منظومة متشابكة من المصالح السياسية والاقتصادية، ارتبطت بشبكات نفوذ تمتلك أدواتها داخل مؤسسات الدولة وخارجها، بل ويرى بعض الخبراء أن جزءًا من هذه الشبكات استُخدم أيضًا للالتفاف على العقوبات الدولية وخدمة أجندات إقليمية، الأمر الذي جعل معركة الإصلاح أكثر تعقيدًا من مجرد ملاحقة أفراد متهمين بالاختلاس أو إساءة استخدام السلطة. ومن هنا، بدأت تبرز التساؤلات التي ستحدد مستقبل تجربة الزيدي: هل تستطيع حملة "صولة الفجر" الحفاظ على الزخم الذي بدأت به؟ وهل تمتلك الحكومة القدرة على الانتقال من ملاحقة بعض المتهمين إلى تفكيك شبكات الفساد نفسها؟

لكن القضية لا تتعلق بائتلاف سياسي بعينه، ولا بحزب أو تيار محدد، وإنما ترتبط بالسؤال الذي يشغل العراقيين جميعًا: هل تستطيع الدولة، للمرة الأولى منذ عام 2003، أن تفرض سيادة القانون على جميع مراكز النفوذ دون استثناء؟ أم أن توازنات المشهد السياسي ستفرض حدودًا للإصلاح، بحيث تتوقف الحملة عند سقف معين، حفاظًا على معادلات القوة القائمة؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت "صولة الفجر" مجرد حملة أمنية ناجحة، أم بداية مشروع حقيقي لإعادة بناء الدولة. وفي تطور لافت انتقلت حملة "الأيادي البيضاء" لمكافحة الفساد في العراق من مرحلة الاقتحامات والاعتقالات الواسعة إلى ما يشبه حرب استنزاف مالية وقضائية طويلة، تستهدف تفكيك الشبكات التي وفرت الغطاء السياسي والإداري للمتهمين، وتعقب الأصول التي جرى توزيعها بين عقارات ومصانع وذهب وشركات وحسابات مصرفية، في محاولة لتجفيف مصادر النفوذ والتمويل التي راكمتها تلك الشبكات خلال سنوات.

ورغم ذلك فإن ما يزيد من صعوبة المهمة أن الحكومة مطالبة في الوقت نفسه بالحفاظ على الاستقرار السياسي، وعدم تحويل مكافحة الفساد إلى معركة تؤدي إلى انقسامات جديدة داخل المشهد العراقي. فالإصلاح يحتاج إلى الحزم، لكنه يحتاج أيضًا إلى إدارة دقيقة للتوازنات، حتى لا يتحول إلى صراع سياسي يفقده أهدافه الأساسية. غير أن معركة الفساد ليست سوى أحد وجوه التحدي. فالعراق يقف اليوم أمام استحقاقات اقتصادية وتنموية لا تقل أهمية. فالاقتصاد لا يزال يعتمد بصورة كبيرة على النفط، فيما تتزايد الحاجة إلى تنويع مصادر الدخل، وجذب الاستثمارات، وتطوير البنية التحتية، وتوفير فرص العمل لملايين الشباب، وتحسين الخدمات الأساسية التي تمثل معيارًا يوميًا لقياس أداء أي حكومة. وفي الوقت ذاته، يتحرك العراق في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد. فهو مطالب بالحفاظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة، وتعزيز شراكاته الاقتصادية مع الصين وروسيا، وتطوير مشروع التعاون الثلاثي مع مصر والأردن، والانفتاح على دول الخليج، وفي الوقت نفسه إدارة علاقاته مع إيران وتركيا بما يحفظ مصالحه الوطنية ويعزز استقلالية قراره. وهذا يعني أن مشروع "العراق الجديد" لن ينجح إذا اقتصر على مكافحة الفساد، مهما كانت أهمية هذا الملف.

فالمطلوب هو إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وإصلاح الاقتصاد، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ الثقة بين المواطن والدولة، وصياغة سياسة خارجية متوازنة تجعل العراق لاعبًا مؤثرًا في محيطه، لا ساحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية. ويبقى السؤال الأهم: هل يمتلك علي الزيدي التفويض السياسي، والدعم البرلماني، والقوة المؤسسية التي تمكنه من المضي في هذا الطريق حتى نهايته؟ الإجابة لا تزال رهنًا بالأشهر المقبلة، وبمدى قدرة الحكومة على تحويل الزخم الشعبي إلى إصلاحات مؤسسية مستدامة، وعلى الانتقال من ملاحقة الأفراد إلى تفكيك منظومات الفساد، ومن إدارة الأزمات إلى بناء الدولة.

لقد نجح الزيدي في كسب الجولة الأولى، وربح قدرًا مهمًا من ثقة الشارع العراقي. لكن المهمة الحقيقية تبدأ الآن. فإما أن تتحول "صولة الفجر" إلى نقطة انطلاق لمشروع وطني يعيد بناء الدولة العراقية، أو تبقى مجرد حملة قوية فرضتها اللحظة السياسية، قبل أن تستعيد مراكز النفوذ قدرتها على احتواء التغيير. لهذا، تبدو مهمة الزيدي -من وجهة نظر البعض- شبه مستحيلة؛ ليس لأنها تفتقر إلى الإرادة، بل لأنها تواجه إرثًا ثقيلاً تراكم على مدى أكثر من عشرين عامًا. وإذا نجح في تجاوز هذا الإرث، فلن يكون قد نجح في مكافحة الفساد فحسب، بل سيكون قد وضع العراق على بداية طريق مختلف، يستحق بالفعل أن يُطلق عليه اسم "العراق الجديد".

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: