لا تقرأ هذا المقال إن كنت تكره حسام حسن

15-7-2026 | 17:13

 نحتاج أحيانًا لأن نعود للماضي قليلًا، حتى يمكننا فهم اللحظة الحاضرة، ثم التفكير بعدها في المستقبل. وهذا تحذيرٌ مسبق؛ لا تقرأ هذا المقال إن كنت تكره حسام حسن، فأنا برغم اختلاف الآراء حريصٌ على صحتك، ولن يسعدني أبدًا أن يرتفع ضغط دمك!

لن أخوض طبعًا في الأسباب التي يمكن أن تكون قد بنيتَ عليها كراهيتك، وإن كنتُ أقرأ أحيانًا كلامًا تشير درجة حدته إلى أن المدير الفني لمنتخب مصر ربما يكون قد سبق أن طعنك شخصيًّا في ظهرك، أو أكل ميراثك!

لكنك في كل الأحوال حر. أنت حر في قراءتك للتجربة وقبولها من عدمه. وأنا أيضًا حر في استبعاد المحبة والكراهية من عناصر تقييم التجربة، ومحاولة النظر بموضوعية، من وجهة نظري بالطبع.. والآن فلنبدأ.

يوم 6 سبتمبر 2021، قبل يوم واحد من إعلان التعاقد مع مدير فني جديد لمنتخب مصر، كتبتُ على صفحتي في فيسبوك: هو التدريب حكر على الأجانب فقط ياعم؟!»، متسائلًا عما يمنع أن يكون لحسام حسن نصيب في تدريب المنتخب بعد كل ما شهدناه من تجارب.

وقلت إن «حسام» لاعب ومدرب «من خارج المنظومة»، فهو منظومة فردية مستقلة، لعب للأهلي والزمالك، درَّب المصري البورسعيدي والاتحاد السكندري، يدخل أي نادٍ فيتجه أول ما يتجه إلى قطاع الناشئين فيه لتدعيم صفوف الفريق الأول، لا صفقات ضخمة لشراء لاعبين ولا عمولات، وبالتالي «لا حبيب ولا قريب» له ولا داعمين، شخصية قوية، منظومة نفسه، له بالطبع أخطاؤه، لكن الخوف المزعوم ليس من اندفاعه وعصبيته، إنما الخوف من استقلاله وقوته.

كتبتُ هذا وقتها، وفي اليوم التالي تم إعلان اسم المدير الفني الجديد للمنتخب، البرتغالي كارلوس كيروش!

دخلت الكرة المصرية في مرحلة سميتُها «مرحلة الواقعية الكيروشية»، أقنعنا خلالها المدرب البرتغالي بأنه يلعب بواقعية في ضوء إمكانات اللاعبين الذين يفتقد بعضهم المهارات الأساسية في الكرة، ولذا فهو يضطر دائمًا إلى إغلاق المساحات والدفاع، وربما عدم لعب كرة القدم من الأساس، وإلا فإن النتائج ستكون كارثية!

تمام.. لكن.. خلال هذه المرحلة تابع الناس مباريات المنتخب، التي يجري أغلبها داخل نصف ملعبنا إن لم يكن منطقة جزائنا، وقلوبهم تكاد تتوقف من الخوف، ألسنتهم تلهج بالدعاء، وبرغم هذه الواقعية المزعومة خسر منتخبنا كل شيء، حصل على المركز الرابع في البطولة العربية في ديسمبر 2021، وفي 2022 سقط أمام السنغال مرتين؛ في نهائي البطولة الإفريقية، وفي المباراة الفاصلة للتأهل إلى كأس العالم في قطر، ضاع كأس إفريقيا وانهار حلم المونديال.

شكرًا كيروش.. ملك «الواقعية السحرية» التي كَره الناس بسببها الكرة!.. وبعدها؛ كنا على موعد مع مرحلة أخرى؛ في يوليو 2022 تم التعاقد مع المدرب البرتغالي روي فيتوريا، ليبدأ «عصر الضباب الفيتوري»! لا لون ولا طعم ولا رائحة، ولا نتائج طبعًا حققها المنتخب في هذا «العصر»، إنما خروج مهين من بطولة كأس الأمم الإفريقية في يناير 2024، بعد ثلاثة تعادلات، وخسارة أمام الكونغو بضربات الترجيح في دور الـ16، مما أدى إلى إقالة المدرب طبعًا.. واللجوء بعدها إلى حسام حسن.. كَحل أخير لمواجهة غضب الجماهير.

يوم 13 فبراير 2024، بعد التعاقد مع حسام، كتبتُ مقالًا لا يزال موجودًا، أعلنتُ فيه تفاؤلي بنجاح «العملية حسام حسن». لماذا؟! أجبتُ بما يلي نصًّا.
قلت: «إصلاح منظومة تعاني من التراجع وغياب التخطيط، مثل منظومتنا الكروية، أمر شبه مستحيل في الوقت الحالي، ويحتاج سنواتٍ طوالًا من العمل العلمي المنظم الدقيق على قواعد الناشئين بالتحديد، فإن الحل (الثوري)، متمثلًا في (العملية حسام حسن)، قد يكون صحيحًا حاليًّا، وقد نحلم ونقول إن نجاح تجربته قد يقود إلى (عصر حسام حسن) كبداية للعمل على الناشئين الذين يهتم هوبهم دومًا.. لماذا لا؟!».

واليوم.. الآن.. ما زلتُ أقول نفس الكلام.. أقول إن المنظومات التي تصل إلى درجة معينة من الاهتراء، سواء في كرة القدم أو أي قطاع، لا يصلح معها إلا«الحل الفردي»؛ المشروع الشخصي؛ الإنسان الفرد، القادر بنجاحه على إفادة نفسه، وبلده، وقد يفيد المنظومة أيضًا برغم أنه من خارجها أو ليس من إنتاجها.. أكان محمد صلاح مثلًا ابن المنظومة، أو كان نجاحه الكبير نتيجة لها؟!

والآن.. اليوم.. ألا ينبغي أن نستعيد الماضي بهدوء لنرى أين كنا وأين صرنا؟!.. أصبح لدينا كرة ممتعة ونتائج طيبة وعاد الالتفاف الجماهيري حول المنتخب.. ألا يجدر بنا أن نقول: شكرًا لحسام حسن ومنظومته المصغرة التي أقامها؟!.. هل يعني هذا أننا اكتفينا أو اعتبرنا ما جرى على مدى 23 يومًا في بطولة كأس العالم هو غاية المنى؟!

الأحلام المحلقة، المنفصلة تمام الانفصال عن الواقع، التي تُراجع كل لعبة وتفصيل، وتنتقد كل قرار وتبديل، باعتبار أننا نستحق دائمًا الأفضل، لا تقل - في رأيي- سوءًا عن «واقعية كيروش» البغيضة و«ضباب فيتوريا» المعجز عن الرؤية!

لم نكتفِ، إنما بدأنا. بدأنا بداية حقيقية، لنبني عليها، فنجاح الحل «الثوري» من خلال «العملية حسام حسن» لا يعني أننا لا نحتاج بعده إلى خطة؛ خطة دقيقة، حالمة وواقعية، تتطلع إلى الأفضل، الأعلى، تستهدف التقدم أكثر في طريق العالمية.. الآن تنتهي «العملية» وتبدأ «الخطة».

دعوا الرجل يعمل. حققوا له مطالبه. اجعلوا مشروعه هدفًا وطنيًّا، وأولوية، تفوق في الأهمية المسابقة المحلية وصراعات الأندية. فلتساعده المنظومة، ولا تعرقل مساره.

فأنا -مثل كثير جدًّا من المصريين- صدَّقتُه. صدَّقتُ حلمه. ومنحني هو القدرة على الحلم بما هو أكثر. وإذا كان من حقي اليوم أن أفرح بأنني كنتُ واحدًا ممن تنبؤوا بنجاحه؛ فإنني أقولها بصراحة: لم يكن يخطر بخيالي ما وصل إليه منتخب بلادي.. وقد صرتُ الآن أنتظر المقبل، الأفضل.

أخيرًا.. أقول مقدَّمًا: أعرف أن الهجوم لن يتوقف على حسام حسن. ومع أي تعثر في المسار مما يعد طبيعيًّا في الكرة سوف تظهر السكاكين وتُشهَر الأسلحة. لكن لا بأس. لا يهم. آفة حارتنا التقييم وفقًا للمحبة والكراهية.

لا يشغلني هذا كله.. يهمني فقط أن يبقى المسار مستمرًّا، ماضيًا، متطلعًا، أو كما يقول الإخوة المغاربة الذين سبقونا في طريق التقدم في كرة القدم: «سِير».. سِر، امشِ، تقدَّم، تحرَّك، ولاتنشغل بعوارض الطريق.

ذلك ما يهمني فقط.. كما يهمني أيضًا - إن كنتَ وصلتَ إلى هذا السطر- أن تبقى بصحة جيدة.. الله وحده يعلم أنني لم أكتب لك إلا بضمير.. دون غرض أو مصلحة.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: