وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول....!

15-7-2026 | 16:38

مما لا مراء ولا جدال فيه أن كتاب الله خاتم الكتب المنزلة وأنه كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن كل حرف، ولا أقول كل آية من آياته، إعجاز وتحدٍ لكل منكر له، ولكل من يحاول النيل من قدسيته وثباته، وتلك هي معجزته الخالدة الباقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

يقول تعالى: (قرآنًا عربيًا غير ذي عوج)، ويقول أيضًا: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا)، وهذه ليست شهادة أهل القبلة المخلصين فقط، وإنما شهادة بعض المنصفين من المستشرقين الذين تدبروا آياته، وتفكروا في معانيها، وبعدها اعتنقوا الإسلام، وخير شاهد على ذلك الكاتب الفرنسي روجيه جارودي، وغيره ممن كتب الله لهم الهداية لهذا القرآن الكريم، وهذا الدين القيم.

إلا أن هناك من يطرحون تأويلات خاطئة لآياته المحكمات وفقًا لأهواء خاصة، وحجتهم داحضة مردود عليها من علماء القرآن الربانيين الذين تبحروا في علومه، مفندين الأطروحات الفكرية التي يدعون خلالها التجديد في الدين، لكن هذا المسلك يبتعد تمامًا عن مقاصد التجديد الحقيقي ليدخل في باب التشويه والتحريف لمتشابه النص، (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هو مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).

فالتجديد الحقيقي هو توظيف النص الديني لخدمة واقعنا المعيش، فلا مساس بآيات المواريث، ولا تطاول على الآيات الصريحات التي وردت في الحجاب، ولا افتراء على الله كذبًا في آيات المعراج.

ولا إنكار لآيات بينات كالتي وردت في سورة الفيل، ولا يصح التقول على الله بالأقاويل واختلاق القصص؛ فلن يجد هذا الفكر صدى حقيقيًا لدى الأمة، وإنما سيخيب سعي أصحابه ويندمون على ما فرطوا.

أتدرون لماذا؟! لأن ما يتم ترويجه ليس مجرد خلاف فكري عابر، بل هو مجابهة صريحة لثوابت شريعة الله تعالى، وتشكيك للناس في معتقداتهم وفي أصولهم الثابتة تحت دعاوى التنوير وحرية الفكر، وما هو بتنوير حقيقي وإنما هو تشتيت وإضلال للمجتمع.

ومن ثم وجبت مواجهة هؤلاء فكريًا وتفنيد شبهاتهم؛ لأنهم يملكون من الأدوات والعلوم ما يجعلهم غير معذورين بجهلهم، بل يساهمون في إضعاف اليقين لدى العامة، وإلا سيعرضون أنفسهم لوعيد الله الشديد يوم القيامة: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ)، فهؤلاء إذا ماتوا على عنادهم وتشكيكهم فحتما سيكونون ممن يؤتى كتابه بشماله، وعندما يرون ما ينتظرهم ويقرأون صحفهم ويجدون عاقبة ما اقترفوه؛ (وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)، ورأفته في حلمه وحلمه دومًا يسبق غضبه؛ لأنه تعالى لو سبق غضبه حلمه لـهلك كل من في السماوات والأرض وما بينهما، فرأفته أن يمهل الجميع الفرص الكثيرة للهداية وللمراجعة والعودة إلى الحق قبل فوات الأوان.

(وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ) أين يذهب حينها السلطان والجاه؟!

وتأتي النتيجة التي لم تخطر لهم على بال طوال حياتهم الدنيا، (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ)، لماذا؟!، الجواب يأتي من عند ذي العرش المكين، (إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ)، فبسبب غياب الإيمان الحقيقي بالله وبكتبه ورسله وباليوم الآخر، ركنوا إلى الحياة الدنيا واطمأنوا بها.
(وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ) فكان سلوكهم الأنانية وحرمان الضعفاء.

(فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ)، لا صديق حميم يشفع له، ولا طعام إلا من غسلين من جهنم، لا يأكله إلا الخاطئون.

(فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ)، ما تعلمونه وما لا تعلمونه، ما ترونه وما لا ترونه، إنه لقول رسول كريم.

كلام الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، الكريم العزيز على الله تعالى، الكريم على أصحابه الذين عاشوا معه وتأدبوا بأدبه، الكريم على أحبابه الذين آمنوا به وبرسالته دون أن يروه.

فهل هؤلاء الذين يثيرون الشبهات يوقرون الرسول الكريم حق توقيره؟! لو كانوا كذلك لما تطاولوا على سنته وسيرته، أولئك الذين ركنوا إلى عقولهم القاصرة التي لا ترى إلا مواضع الهوى، فأغوتهم أفكارهم فخسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين.

أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب العاصمة ورئيس القسم السابق

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: