أخشى أن تتحول الحرب التي شنها الرئيس ترامب ضد إيران للقضاء على مشروعها النووي وصواريخها الباليستية وأذرعها في المنطقة وتهديدها لإسرائيل ـ حسب رواية الإدارة الأمريكية ـ ثم تحولت في نهاية المطاف إلى الحرب حول فتح مضيق هرمز والسيطرة عليه ومن يديره؛ المخاوف الآن أن يتحول الصراع ويطول إلى أمد غير معلوم وتصبح مثل حرب داحس والغبراء.
وداحس والغبراء هي واحدة من أشهر وأطول الحروب في تاريخ العرب الجاهلي، وقد استمرت لمدة أربعين عامًا بين قبيلتي عبس وذبيان، بدأت الحرب بسبب سباق خيول بين الفرسين "داحس" و"الغبراء" حيث اتفق قيس بن زهير، زعيم عبس، وحذيفة بن بدر زعيم ذبيان، على إقامة هذا السباق، وعندما تقدم "داحس" في السباق دبرت قبيلة ذبيان كمينًا لعرقلته مما أدى إلى نشوب نزاع دموي استمر لعقود بين القبيلتين، لتصبح هذه الحرب رمزًا للصراعات الطويلة والدموية في تاريخ العرب.
أصبحت هذه الحرب رمزًا للصراعات الطويلة والدموية في تاريخ العرب، وألهمت العديد من الشعراء لكتابة قصائد تعكس الأحداث البطولية والمريرة التي شهدتها. من بين هؤلاء الشعراء عنترة بن شداد، الذي عبر عن شجاعته وشوقه للنصر بقوله:
"ولقد وددت تقبيل السيوف لأنها *** لمعت كبارق ثغرك المتبسم"
بالعودة للحرب حول مضيق هرمز، تعودنا على تناقضات الرئيس ترامب ومراجعاته بين التفاوض وشن الهجمات وفرض الحصار البحري على إيران وفرض الرسوم الأمريكية على السفن التي ترغب في عبور مضيق هرمز، وأمس أعلن الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة تعتزم شنّ ضربات عسكرية إضافية على إيران، في إشارة إلى مزيد من التحركات بعد استئناف المفاوضات بين البلدين الأسبوع الماضي. وخلال مقابلة مع المذيع الإذاعي المحافظ هيو هيويت، ألمح ترامب إلى أن الولايات المتحدة تراقب عن كثب الأهداف الإيرانية، لكنه امتنع عن مناقشة التفاصيل العملياتية، وقال: "سنضربهم بقوة الليلة، وسنضربهم بقوة غدًا".
وسأل هيويت عما إذا كان الجيش الأمريكي أو الإسرائيلي على علم بمكان وجود القيادة العسكرية الإيرانية المتبقية، وما إذا كان بإمكانهما استهدافها، فأجاب ترامب: "نعم، أعلم، لكننا لا نريد الحديث عن ذلك. لكننا بالتأكيد نراقب الوضع".
وقال ترامب إن الولايات المتحدة ترحب بالاستثمارات التي تضخها دول المنطقة داخل الاقتصاد الأمريكي، في مقابل الدور الذي تقوم به واشنطن في حراسة مضيق هرمز، وضمان استمرار حركة الملاحة عبره، وأوضح أنه لا يفضل فرض الرسوم، وأن الاتصالات التي جرت مع دول المنطقة أسفرت عن التوصل إلى صيغة تقوم على التعاون التجاري والاستثماري بدلاً من تحصيل نسبة من قيمة الشحنات المارة بالمضيق.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى نفط المنطقة، لكنها تتولى حراسة مضيق هرمز وتأمين الملاحة الدولية، وهو ما دفعه في البداية إلى طرح فكرة فرض رسوم بنسبة 20% للمساهمة في تحمل تكاليف الحماية.
وتأتي تصريحات ترامب بعد اعتراضات دولية على مقترح الرسوم، ومطالبات بإبقاء المضيق مفتوحًا أمام الملاحة الدولية دون أعباء مالية قد تؤثر في حركة التجارة وإمدادات الطاقة العالمية.
وكل ما نتمناه هو ألا يطول أمد الحرب وألا تتوسع وتشتعل المنطقة أكثر مما هي عليه، وألا نشهد داحس وغبراء جديدة.. وللحديث بقية.