همسات صاخبة لأبي الهول

15-7-2026 | 15:14

حين تتحسس وتطرق أبواب مملكة الصمت تجوب النفس والروح آفاق عالم الأسرار والخفايا والعجائب ملتمسة حقيقة واحدة أو جوابًا لا يتبعه تساؤل .. إنها أحلام اليقظة التي تخامرنا بين آن وآن حين نتواجه مع ذلك المارد التاريخي المسمى أبا الهول الذي توسل وتضرع إليه ملايين البشر ليبوح بكلمة أو سر أو حكاية أو أسطورة. لكنه آثر أن يظل سجين ذاته المترعة بالهم الكوني.

أقف اليوم أمامك بما يجتاح نفسي من آمال عراض وأشواق متجددة غير منتظر لرد أو جواب على تساؤلاتي الصادمة التي ستزيد صمتك وتدفعك نحو دروب الندم والأسف وتجعلك مستغيثًا بهم الزمن الذي لن يعود بعد أن طوى قرابة ستين قرنًا في محاولة يائسة لاستنطاق من اتخذ من الحماقة منطقًا؛ لذا أسألك:

صمت طويلاً طويلاً عن الدنيا وعن الكون فبماذا تحدث ذاتك؟

وماذا يدور بعقلك من خواطر وهواجس؟

وهل بقي من الزمن ما يكفي لتحكي قصة الماضي التليد؟ 

ماذا علمت البشر بصمتك السرمدي؟ بل وكيف اخترت أن تستكين إلى وتيرة واحدة أبد الدهر؟ فهل اعتبرت ذلك الصمت المقدس مفتاح ساحة الخلود؟ وهل استطعت بصمتك المرعب تحجيم أهوال البشر؟ وكيف تلحفت بصمت ولم يخرجك الضجيج البشري عنه؟ 

هل اعتبرت ذلك الصمت المهيب فعلاً إيجابيًا؟ بين ما هو في رؤية البشر ترفع سلبي؟ وكذلك هل اعتبرت الصمت المطبق من قطوف الحكمة وما سواه هو الطبيعة الهزلية الساذجة؟ ألم يستفزك ذلك الزخرف الجذاب والهرج الذي تتوشح به إمبراطورية الفوضى المسماة الحياة؟ ألم يدفعك سكون الصمت لحظة لأن تخوض ضجيج الحياة بكل ما حفل من تناقض وازدواج وتطابق وتماثل؟

كيف تفاعلت وعالجت بصمتك كافة التساؤلات المتجددة عبر الدهور؟ هل اعتصامك بالصمت الأبدي كان ملاذك من مزالق الخطأ والخطيئة؟ وإذا كان صمتك هو الحكمة التائهة فكيف غفل عنها البشر طيلة ستين قرنًا؟ وإذا كنت تمارس الصمت السرمدي بالمخالفة لموروثات قوانين العقل الإنساني.. فما هي فاعلية العقل لديك؟ وما هي مفردات قاموس الفرد؟ هل يمثل الصمت منطقًا سويًا تجاه تناقضات الأحداث وتصادم العصور؟ إذا كان الصمت العابر ليس أكثر من كونه حالة يأس.. فهل يمثل ذلك الصمت المطبق حالة عجز؟ وكيف ارتضيت أن يكون مصرع الحقيقة الكبرى هو محراب الصمت، وإذا تكلمت.. فماذا تقول؟ وإذا تواجه قولك مع صمتك.. فمن ينسحق أمام الآخر؟

وعلى الإطلاق كيف طمست حركة الزمن وجعلت ماضيك مثل حاضرك وأسفًا هو مستقبلك؟

جئت إليك وأنت قابع بين أحضان الطبيعة أسألها .. كيف حوت كيانًا صامتًا أبدًا، بينما كل ما فيها يتحدث لغات علوية يحبها البشر؟ كيف تألف ثقافة السكون وتنبذ ثقافة الحركة، بينما الوجود الذي أنت فيه يحكمه قانون أزلي يؤكد أن كل نسبي يتغير إلا قانون التغير؟ وإذا كان الفنان الجبار "مايكل أنجلو" قد نحت تمثال "موسى" بمهارة فائقة وطلب إليه أن ينطق ولم يستجب فإن تساؤلاتي الصادمة لن تكرر مأساة "أنجلو".

إن الحكمة لم تكن لحظة أسيرة الصمت وحده بل أسيرة الوعي والتأمل والخبرة والبصيرة واستكشاف الذات وقراءة العالم والإحاطة بأسرار اللغز الكوني والانطلاق نحو فكرة أن الزمان هو مكان سائل والمكان هو زمن متجمد.

تلك هي بعض كلماتي إليك وأعلم أنني أقطع بها رحلة صمتك، فلا تندم فقد شبعت سكونًا وسكونًا وصمتًا مسكونًا بالسخرية والتهكم. لقد خشيت عليك من سهم الزمن الطائش الذي لا يعتبر بشيء.. فقل كلمتك ولا تخف وزلزل بها آذان الزمن قبل أن يأتي عليك بحشوده.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: