لم أستطع أن أتجاوز فلسفة إرنست همنجواي العميقة في روايته الخالدة "العجوز والبحر"؛ تلك الرواية التي تبدو في ظاهرها حكاية بسيطة عن صياد عجوز خرج إلى البحر بحثًا عن سمكة كبيرة، لكنها في حقيقتها رحلة أعمق بكثير؛ رحلة داخل أنفسنا، حيث يواجه الإنسان ضعفه، وخوفه، وحدوده، ويبحث عن المعنى الحقيقي للصمود.
ورغم مرور عقود طويلة على كتابتها، ما زالت الرواية حاضرة بقوة، لأنها لم تكتب عن صياد واحد فقط، بل عن كل إنسان وقف يومًا أمام بحر أكبر منه، وخاض معركة لا يعرف كيف ستكون نهايتها.
لم تكن رحلة صيد، بل رحلة الإنسان مع نفسه. كان همنجواي يطرح سؤالاً مهمًا: ماذا يبقى للإنسان عندما لا يحصل على ما حلم به؟ وهل تكون الهزيمة في خسارة النتيجة، أم في أن يخسر الإنسان نفسه؟
سانتياجو، بطل الحكاية، صياد عجوز، لم يكن رجلاً خارقًا، بل إنسان عادي أتعبه العمر، أمضى أيامًا طويلة دون أن يصطاد شيئًا، حتى بدأ الناس ينظرون إليه وكأنه انتهى، وأن البحر لم يعد يمنحه خيره كما كان في الماضي. لكنه لم يسمح لنظرة الآخرين أن تصبح حقيقة داخله. كان يخرج كل صباح بقاربه الصغير، لا لأنه يضمن النجاح، بل لأنه كان يؤمن بأن الإنسان لا يملك إلا أن يحاول، وأن الاستسلام هو الهزيمة الوحيدة التي لا يمكن قبولها.
وحين قرر البحر أن يمنحه اختبارًا جديدًا، لم يمنحه فريسة سهلة، بل منحه خصمًا يليق بعزيمته. كانت السمكة العملاقة امتحانًا حقيقيًا لصبره وقوته وإيمانه بنفسه. لم تكن مجرد سمكة يريد اصطيادها، بل كانت معركة بين الإنسان وضعفه، بين الأمل واليأس، وبين الرغبة في الاستمرار والرغبة في الاستسلام.
خاض سانتياجو معركته بصمت. كان يحدث البحر، ويكلم السمكة، ويحادث نفسه، لأنه كان يعرف أن المعركة الحقيقية ليست فقط في الحصول على السمكة، بل مع ذلك الصوت الداخلي الذي يحاول أن يقنعه بالتراجع. ظل يقاوم حتى تمكن من اصطياد السمكة، لكنه لم يحصل على النهاية التي توقعها.
جاءت أسماك القرش لتلتهم السمكة قطعة بعد قطعة، بينما ظل سانتياجو يدافع عنها بكل ما بقي لديه من قوة. وعندما عاد إلى الشاطئ، لم يكن يحمل السمكة التي خرج من أجلها، بل عاد بهيكلها العظمي فقط.
أراد همنجواي أن يقول لنا إن الحياة لا تمنح الإنسان دائمًا النتيجة التي يحلم بها. قد يبذل الإنسان كل ما لديه، ثم لا يحصل على ما يريد، لكن هذا لا يعني أن كفاحه فقد قيمته.
لم يهزم سانتياجو البحر، ولم ينتصر على أسماك القرش، ولم يعد بالغنيمة التي خرج يبحث عنها، لكنه هزم شيئًا أخطر من البحر والقرش معًا: هزم الاستسلام.
لقد خسر السمكة، لكنه ربح نفسه. ربح حقه في أن ينظر إلى وجهه دون خجل، وأن يعرف أنه أدى ما عليه حتى النهاية. وكأن خلاصة رحلته تقول: لقد ذهبت إلى البحر، وقاتلت بكل ما أملك، ولم أترك روحي على الشاطئ.
وهذه هي الفكرة التي جعلت "العجوز والبحر" رواية خالدة. فهي ليست قصة عن صياد واحد، بل عن الإنسان في كل العصور. يجد فيها العامل الذي يكافح، والطالب الذي يواجه الفشل، والمريض الذي يقاوم الألم، والباحث الذي يواصل الطريق رغم الصعوبات، والرياضي الذي يقاتل حتى اللحظة الأخيرة. كل إنسان له بحره الخاص، وله معركته الخاصة، وله حلم يحاول الوصول إليه؛ ولهذا ما زلنا نقرأ همنجواي بعد عشرات السنين. ليس لأن أحداث الرواية مميزة فحسب، بل لأن معناها لا يشيخ؛ فالإنسان في كل عصر سيظل يخوض معركته الخاصة، وسيظل يبحث عن الطريقة التي يعود بها من البحر دون أن يترك روحه على الشاطئ.
ومن هنا أستحضر ذلك المشهد من عالم الرياضة، عندما واجه المنتخب المصري نظيره الأرجنتيني في نهائيات كأس العالم 2026، أحد أقوى منتخبات العالم. دخل المباراة وهو أقل ترشيحًا أمام منافس يملك تاريخًا كبيرًا وأسماء لامعة، لكنه لم يدخلها بروح الخوف أو الاستسلام. لعب بشجاعة، وقاتل على كل كرة، وأثبت أن الروح والإرادة قد تصنعان فارقًا لا يظهر في الحسابات قبل البداية.
وكما واجه سانتياجو البحر بكل ما يحمله من قوة، واجه المنتخب المصري صعوبة المنافسة والضغوط واللحظات المثيرة للجدل داخل المباراة. ورأى كثير من المتابعين أن بعض القرارات التحكيمية أثارت جدلاً واسعًا، وأنها لم تكن في مصلحة المنتخب المصري، بل رأى كثيرون أنه كان يستحق نتيجة أفضل مما انتهت إليه المباراة.
وقد يختلف الناس في تقييم تلك القرارات، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن المنتخب قدم صورة مشرفة عن القتال حتى النهاية، وأنه فرض احترامه بأدائه القوي وشخصيته أمام العالم.
فالانتصار الحقيقي ليس دائمًا ما يظهر على لوحة النتائج؛ فأحيانًا يكون الانتصار في أن تثبت أنك قادر على مواجهة الأقوى، وأن تدخل المعركة دون رهبة، وأن تخرج منها وأنت تعرف أنك قدمت كل ما لديك.
وربما تكون أعظم هدية تقدمها لنا هذه الرواية أنها لا تطلب من الإنسان أن يكون منتصرًا دائمًا، بل أن يكون حاضرًا دائمًا في معركته؛ فالحياة ليست طريقًا مستقيمًا بلا عواصف؛ فيها لحظات نفقد فيها ما سعينا إليه، وأحلام تتأخر، وأبواب تغلق، ومحاولات لا تكتمل. لكن نجاح الإنسان لا يقاس بعدد المرات التي سقط فيها، بل بقدرته على النهوض مرة أخرى.
الإنسان قد لا يستطيع التحكم في كل ما يحدث حوله، لكنه يستطيع أن يختار موقفه تجاه ما يحدث؛ قد لا نملك البحر الذي نواجهه، ولا الرياح التي تعترض طريقنا؛ لكننا نملك الطريقة التي نقف بها أمامها.
لقد خسر سانتياجو السمكة، لكنه لم يخسر نفسه. وخرج المنتخب المصري من كأس العالم وقد ترك صورة مشرفة عن القتال والإصرار، وأثبت أن قيمة الإنسان لا تقاس دائما بما يحمله في النهاية، بل بما قدمه في الطريق.
وربما هذه هي أعظم معركة يخوضها الإنسان في حياته: أن يصل إلى نهاية الطريق، متعبًا نعم، مجروحًا ربما، لكنه ما زال قادرًا أن يقول: "لقد قاتلت... ولم أترك روحي على الشاطئ"؛ فالإنسان قد لا يملك دائمًا تغيير النتيجة، لكنه يملك أن يختار من يكون أثناء المواجهة.. أحيانًا تكون الهزيمة جميلة.