إدارة الأزمات... وإدارة الأفراح

14-7-2026 | 16:00

ماذا تفعل الدول الذكية عندما تنجح؟

لا أعرف لماذا قفز إلى ذهني هذا السؤال وأنا أتابع، خلال الأسبوع الماضي، حدثين بدت العلاقة بينهما للوهلة الأولى بعيدة، لكنها في الحقيقة وثيقة للغاية.

الحدث الأول كان القرار الجمهوري للسيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في 9 يوليو 2026 بتعيين الفريق محمد ربيع، رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة، رئيسًا للهيئة القومية لإدارة الأزمات والطوارئ، في تأكيد جديد على أن الدولة المصرية تنظر إلى إدارة الأزمات باعتبارها وظيفة مؤسسية لا تحتمل الارتجال، وأن الاستعداد للمخاطر أصبح جزءًا أصيلًا من مفهوم الدولة الحديثة.

أما الحدث الثاني، فكان استقبال السيد الرئيس للاعبي المنتخب الوطني لكرة القدم والجهازين الفني والإداري في 11 يوليو 2026، بعد الأداء المشرف الذي قدموه في كأس العالم، وتكريمهم تقديرًا لما حققوه من صورة رائعة لمصر أمام العالم.

ظاهريًا، لا يجمع بين الحدثين شيء. أحدهما يتعلق بالأزمات، والآخر يتعلق بالنجاح. لكن الحقيقة أن الرابط بينهما أكبر بكثير مما يبدو. فالدول، مثل البشر، لا تُختبر فقط عندما تواجه الأزمات، وإنما تُختبر أيضًا عندما تحقق النجاح.

ولقد تعلمت، عبر سنوات من متابعة تجارب الدول المختلفة، أن هناك فارقًا كبيرًا بين دولة تعرف كيف تدير الأزمات، ودولة أخرى تعرف أيضًا كيف تدير الأفراح. فالدولة الأولى تستطيع أن تقلل الخسائر. أما الدولة الثانية فتستطيع أن تضاعف المكاسب.

وأتذكر أنني، خلال فترة دراستي وعملي في اليابان، كنت أراقب كيف يتعامل اليابانيون مع الإنجازات الرياضية الكبرى. ولم يكن المشهد مجرد احتفال جماهيري، ولم يكن الإعلام يتحدث عن نتيجة مباراة بقدر ما كان يتحدث عن قيم الانضباط والعمل الجماعي والإصرار التي أنتجت هذا النجاح. وقد بدا لي آنذاك أن اليابانيين لا يحتفلون بالنتيجة، وإنما يحتفلون بالمنهج الذي صنعها.

وفي إسبانيا، رأيت كيف تصبح الانتصارات في كرة القدم جزءا من الذاكرة الوطنية والهوية العامة. فعندما ينجح فريق أو منتخب في مباراة لكرة القدم، لا يكون الاحتفال مجرد زحام في الشوارع، بل حالة منظمة من الفخر الجماعي، تمتزج فيها الأعلام بالأغاني، والفرحة الشعبية بالصورة الإعلامية التي تصل إلى العالم كله. وعندها أدركت أن الدول الذكية لا تدير الأزمات فقط، وإنما تدير أيضًا الأفراح.

أما نحن في العالم العربي، فقد اعتدنا الحديث طويلًا عن إدارة الأزمات، حتى أصبح المصطلح جزءًا من أدبيات الإدارة والسياسة والأمن القومي. لكننا نادرًا ما نتحدث عن إدارة النجاح. وكأن النجاح، بمجرد حدوثه، يستطيع أن يدير نفسه بنفسه. والحقيقة أن ذلك ليس صحيحًا. فالنجاح، مثل الأزمة، لحظة استثنائية ينبغي التعامل معها بحكمة وفطنة لتصبح قوة وطنية دائمة.

ومن هذه الزاوية، يصبح استقبال المنتخب الوطني من جانب رئيس الجمهورية أكثر من مجرد تكريم لفريق كرة قدم. فقد كانت الرسالة الأهم في كلمة السيد الرئيس هي أن قيمة المنتخب لم تكن في عدد المباريات التي فاز بها، وإنما في الصورة التي قدمها عن المصريين من حيث الانضباط، والروح الجماعية، والإخلاص، والقدرة على المنافسة بشرف.

ثم جاءت إشارة السيد الرئيس إلى ضرورة اكتشاف المواهب الجديدة ودعم المدرب الوطني، لتؤكد أن الدولة لا تنظر إلى الإنجاز باعتباره نهاية الطريق، وإنما باعتباره بداية مرحلة جديدة.

وهذه هي الفلسفة التي تميز الدول التي تتقدم. فالنجاح الحقيقي لا يقاس بما تحقق، وإنما بما يستطيع أن ينتجه من نجاحات أخرى في المستقبل.

وأعتقد أن هذا الأمر يتوافق تماما مع تطور مفهوم الأمن القومي خلال العقود الأخيرة. فلم يعد الأمن يعني فقط حماية الحدود، أو امتلاك الجيوش، أو إدارة الحروب. وإنما أصبح الأمن يعني أيضًا حماية ثقة المجتمع بنفسه. كما أصبح يعني أيضا امتلاك القدرة على إنتاج الأمل، وبناء ما يسميه علماء السياسة اليوم "الصمود المجتمعي"، أي قدرة المجتمع على مواجهة الضغوط دون أن يفقد ثقته في مستقبله.

وبناءً على ما سبق، ربما يكون الوقت قد حان لأن نضيف إلى قاموس الإدارة العامة في مصر مفهومًا جديدًا هو "إدارة الأفراح الوطنية" . والأمر هنا لا يقصد به على الإطلاق إنشاء هيئة جديدة، فالدولة المصرية ليست في حاجة إلى مزيد من المؤسسات، وإنما في حاجة إلى رؤية مختلفة. رؤية تعتبر كل إنجاز كبير فرصة لتعزيز الثقة الوطنية، وتنشيط الاقتصاد، ودعم السياحة، وتقوية القوة الناعمة، وترسيخ الهوية المشتركة، وربط الأجيال الجديدة بقصص النجاح التي تصنعها بلادهم.

وهذا، في تقديري، هو أحد الدروس الكبيرة التي يمكن استخلاصها من المشهدين اللذين تابعناهما خلال الأيام الماضية. مشهد إعادة بناء منظومة إدارة الأزمات، ومشهد الاحتفاء بمنتخب أعاد إلى المصريين شيئًا من الثقة والبهجة.

فالسياسة، في النهاية، ليست مجرد إدارة للمخاطر والأزمات، وإنما هي أيضًا إدارة للأمل والثقة في المستقبل.

* رئيس وحدة العلاقات الدولية وبرنامج دراسات الطاقة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، وزميل كلية الدفاع الوطني في الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والإستراتيجية

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة