14-7-2026 | 15:36

ليست كل الحروب تبدأ بإطلاق النار، كما أنها لا تنتهي عندما تتوقف المدافع عن إطلاق القذائف. فهناك لحظة أخرى، أقل ضجيجاً لكنها أكثر تأثيراً، تبدأ فيها الأسواق بإعادة قراءة الخريطة، ويبدأ رأس المال في إعادة رسم خطوط حركته، وتبدأ الاقتصادات في دفع فاتورة لم تكن طرفاً مباشراً في الحرب. هذا ما يحدث اليوم مع تجدد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.

فالعالم الذي ظن، ولو مؤقتاً، أن الشرق الأوسط عاد إلى شيء من الاستقرار، اكتشف أن الهدوء لم يكن سوى هدنة فرضتها الضرورات العسكرية أكثر مما فرضتها التسويات السياسية. وما إن بدأت الموانئ تستعيد نشاطها، وعادت ناقلات النفط إلى مساراتها المعتادة، واستأنفت الشركات العالمية حساباتها الاستثمارية، حتى عاد شبح المواجهة ليطل من جديد، وكأن المنطقة لم تغادر دائرة الصراع أصلاً.

 وفي توقيت يكاد يكون رمزياً، أصدر صندوق النقد الدولي أحدث تقاريره "آفاق الاقتصاد العالمي"، فجاءت أرقامه لتقول إن ما يجري في الشرق الأوسط لم يعد شأناً إقليمياً، بل أصبح عاملاً رئيسياً في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.

ما بعد الحرب... وما قبلها 

 التاريخ يعلمنا أن الاقتصاد لا يخاف الحرب بقدر ما يخاف الغموض.

فالأسواق تستطيع أن تتكيف مع حرب معروفة الحدود والأهداف، لكنها تعجز عن تسعير صراع لا يعرف أحد كيف يبدأ أو أين ينتهي.

ولهذا لم تنتظر البورصات اندلاع مواجهة جديدة حتى تعيد ترتيب أوراقها.

ارتفعت علاوة المخاطر، واستعاد الدولار جزءاً من بريقه بوصفه ملاذاً آمناً، بينما بدأت العملات والأسهم في الاقتصادات الناشئة تواجه ضغوطاً متزايدة.

إنها ليست ردود فعل عاطفية، وإنما حسابات باردة لرأس المال، الذي يدرك أن الشرق الأوسط ما زال يتحكم في أحد أهم مفاتيح الاقتصاد العالمي: الطاقة.

هرمز... أكثر من ممر بحري

 في الجغرافيا، يبدو مضيق هرمز ممراً مائياً ضيقاً. أما في الاقتصاد، فهو أحد شرايين الاقتصاد العالمي.

فكل اضطراب في هذا الممر لا يعني فقط تأخير ناقلات النفط، وإنما إعادة تسعير تكلفة الطاقة، وارتفاع أقساط التأمين، وتغيير خطوط الملاحة، وإعادة توزيع الاستثمارات، وهو ما ينعكس سريعاً على تكلفة الإنتاج والنقل والغذاء.

ولهذا لم يكن غريباً أن يربط صندوق النقد الدولي بين تجدد التوترات واحتمال ارتفاع أسعار النفط بنحو 32% خلال عام 2026 مقارنة بالعام السابق، مع زيادة أسعار الغاز الطبيعي بنحو 22%.

لكن النفط لا يتحرك منفرداً. فعندما ترتفع الطاقة، تتحرك معها بقية حلقات الاقتصاد.

ترتفع تكلفة إنتاج الأسمدة، لتزيد أسعار الغذاء، ثم ينتقل التضخم من قطاع إلى آخر حتى يصبح ظاهرة اقتصادية عامة، لا مجرد زيادة في أسعار الوقود.

عودة التضخم

 قبل أشهر قليلة، كان الاعتقاد السائد أن العالم تجاوز أصعب مراحل التضخم التي بدأت بعد جائحة كورونا.

اليوم تبدو الصورة مختلفة. فالتضخم يعود، لكن هذه المرة لا تحركه السيولة أو الطلب الاستهلاكي، بل تحركه الجغرافيا السياسية.

وهذا أخطر أنواع التضخم، لأنه لا يخضع بسهولة لأدوات السياسة النقدية. فالبنك المركزي يستطيع رفع أسعار الفائدة، لكنه لا يستطيع فتح مضيق بحري مغلق، ولا إنهاء حرب، ولا إعادة ناقلات النفط إلى مساراتها.

ومن هنا ترتفع معضلة الاقتصاد العالمي. كلما ارتفعت أسعار الطاقة، زادت الضغوط التضخمية، وكلما ارتفعت الفائدة، تباطأ النمو، ليجد العالم نفسه مرة أخرى أمام المعادلة التي عرفها في سبعينيات القرن الماضي: نمو ضعيف وتضخم مرتفع في الوقت نفسه.

تصدير المخاطر

طوال عقود، كان العالم ينظر إلى الشرق الأوسط باعتباره خزان الطاقة العالمي. أما اليوم، فقد أصبح ينظر إليه أيضاً باعتباره أكبر مصدر للمخاطر الاقتصادية.

فالمنطقة التي يقترب حجم اقتصادها من أربعة تريليونات دولار، أصبحت تشهد في لحظة واحدة اضطرابات في الطاقة، والتجارة، والتمويل، والاستثمار، والطيران، وسلاسل الإمداد. ولهذا جاءت مراجعات صندوق النقد الدولي حادة وغير مسبوقة.

فالمنطقة التي كان يُنتظر أن تحقق نمواً هذا العام أصبحت مرشحة للانكماش، في أول تراجع من هذا النوع خارج الأزمات الاستثنائية الكبرى، بينما خُفضت توقعات النمو بصورة متكررة خلال أشهر قليلة، في اعتراف واضح بأن الحرب لم تعد حدثاً عابراً، بل أصبحت متغيراً اقتصادياً قائماً بذاته.  

ما الذي ينتظر الأسواق؟

إذا استمر التصعيد، فإن الأسواق لن تتوقف عند حدود النفط. سنشهد ضغوطاً أكبر على العملات، وارتفاعاً في أسعار السلع الأولية، وتباطؤاً في التجارة الدولية، واستمراراً للتقلبات في أسواق الأسهم، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر والاحتفاظ بالسيولة والأصول الآمنة.

أما إذا نجحت الجهود السياسية في تثبيت الاستقرار، فإن المنطقة تمتلك فرصة استثنائية لاستعادة النمو بسرعة، خصوصاً مع توقعات بعودة إنتاج النفط وحركة التجارة وارتفاع معدلات الاستثمار خلال عام 2027.

لكن التجربة التاريخية تقول إن التعافي الاقتصادي لا يبدأ بمجرد انتهاء الحرب، بل يبدأ عندما يقتنع المستثمر بأن الحرب لن تعود.

تلاشي الحدود 

ربما يكون أخطر ما تكشفه الأزمة الحالية أنها تؤكد أن العالم دخل مرحلة جديدة، لم تعد فيها الحدود الفاصلة بين السياسة والاقتصاد قائمة كما كانت.

فالقرار العسكري أصبح يغيّر أسعار الفائدة، وحركة الأساطيل أصبحت تؤثر في البورصات، وخطوط الملاحة أصبحت جزءاً من معادلات التضخم والنمو. ولهذا فإن الصراع الأميركي الإيراني لم يعد مجرد مواجهة بين دولتين، بل أصبح أحد الملفات التي تعيد تعريف العلاقة بين القوة والاقتصاد في القرن الحادي والعشرين.

والدرس الذي يتكرر مع كل أزمة أن الجغرافيا لا تزال، رغم كل ما حققته التكنولوجيا والعولمة، قادرة على أن تفرض كلمتها الأخيرة على الأسواق، وأن تذكّر العالم بأن الاقتصاد، مهما بدا مستقلاً، يظل في النهاية ابن السياسة، وأن الخرائط لا تزال تصنع الثروة... كما تصنع الأزمات.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة