مشهد سيظل عالقًا بالذاكرة كأنه بصمة دامغة من بصمات التاريخ المصري، مشهد يتجاوز التخصص ليكون لائقًا بالحياة في كل صور نجاحها، مشهد سبقته مشاهد تضاهيه في أهميته ولا تقل عنه زهوًا، إذ لم يكن الاستقبال الذي حظي به المنتخب المصري لكرة القدم عقب عودته من بطولة كأس العالم 2026 التي أُقيمت بالولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، مجرد احتفاء وحفاوة كبرى ببعثة رياضية أدت واجبها على أكمل وجه، ثم عادت إلى وطنها، بل بدا لحظة وطنية مكتملة الأركان، ومشحونة بكل مشاعر الفخر والعرفان، لقد كان هذا الاستقبال لوحة تشكيلية متحركة ونابضة بعلم مصر والصور التي أخذت بحجم كبير لأبطال المنتخب من اللاعبين الكبار والجهازين الفني والإداري، مع أغنيات "يا حبيبتي يا مصر" وغيرها من الأغاني الوطنية العظيمة، لتتجلى في هذه اللوحة صورة مصر التي تعانق أبناءها الذين حملوا اسمها بعيدًا خفاقًا في الأعالي، ثم أعادوه أكثر إشراقًا وهيبة.
وقد اكتمل الزهو بلقاء الأبطال بالرئيس القائد الذي كان متابعًا لكل خطوة نجاحٍ ووثبة ثقة وصرخة إثبات وجود كانت تقول في كل جولةٍ: هنا مصر، هنا المصريون، فمنحهم فرحة القلب وصدق المشاعر بالفخر بهم قبل أن يمنحهم كأس الجدارة والأوسمة التكريمية، ليس فقط تقديرًا لما قدموه من مستوى فني رفيع وأداء بطولي خلال هذه البطولة التي شهدت العديد من المفارقات، وعلى الرغم من ذلك استطاعوا أن يُظهروا الانضباط والعزيمة والإصرار، وإنما أيضًا تقديرًا لمسئوليتهم ووعيهم الذي ترجموه على أرض الواقع بفهم معنى أن تمثل وطنًا بحجم وقيمة مصر، وخصوصًا في هذا الزمان الذي يبدو فيه الوطن أكثر بريقًا وتأثيرًا ووجودًا وانتشارًا ومنافسة في ترجمة حية ومباشرة لمعنى "الجمهورية الجديدة"، فكانوا دائمًا وبحق على قدر المسئولية، حتى إنهم جعلوا من أنفسهم ومن مصر والمصريين حديث العالم كله من شرقه وغربه وشماله وجنوبه، بل إن اللقاء الأخير للمنتخب المصري أمام منتخب الأرجنتين، والذي جاء استكمالا للمشوار الجميل الذي قطعه الأبطال حتى من قبل بدء البطولة، ومرورًا بلقاءات منتخبات بلجيكا ونيوزيلندا وإيران، ثم هذا اللقاء الذي "أخذ السوكسيه" كما يقولون من البطولة كلها وهي أهم بطولة في العالم، لكن الأهمية تعرف طريقها إلى مستحقيها، ولا يزال الحديث عن إنجاز المصريين وإحراجهم بطل العالم الذي أبت معايير أخرى غير الرياضة إلا أن يواصل المنافسة، دون التفات إلى الطريقة أو الكيفية، ولكن لأن منتخبًا مصريًا كان المنافس، فلن تمر الأمور هكذا ببساطة، وسيبقى العالم كله في حديث دائر عن المصريين واستحقاقهم.
إن الأمم لا تحتفل فقط بالانتصارات التي تُقاس بالأرقام، وإنما تحتفي كذلك بالمواقف التي تُقاس بالمعنى، وبالرجال الذين ينجحون في تحويل المنافسة إلى رسالة، والرياضة إلى لغة تتحدث بها الشعوب عن أخلاقها قبل قدراتها، ولقد أثبت المنتخب المصري خلال هذه البطولة أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة تتحدد قيمتها بعدد الأهداف، بل أصبحت مرآة تعكس شخصية الأمم، وتكشف مقدار ما تمتلكه من انضباط وإرادة وثقة بالنفس. ومنذ المباراة الأولى، بدا واضحًا أن الفريق لا يلعب بعقلية الضيف الذي جاء ليشارك، بل بروح الدولة التي جاءت لتؤكد مكانتها، وأنها قادرة على الوقوف في الصف الأول بين كبار اللعبة، مهما بلغت صعوبة المنافسين أو رهبة المحافل العالمية. ولعل أجمل ما في التجربة المصرية أنها لم تُبنَ على لحظة عابرة أو نتيجة منفردة، وإنما تشكلت عبر سلسلة من العروض التي اتسمت بالتماسك والاتزان والشجاعة التكتيكية. ففي كل مباراة كان المنتخب يضيف ملمحًا جديدًا إلى صورته أمام العالم، مرةً عبر الانضباط الدفاعي، وأخرى عبر الجرأة الهجومية، وثالثة عبر القدرة على العودة إلى أجواء اللقاء مهما كانت الظروف.
وهكذا تكوَّن الانطباع العالمي بأن هذا الفريق لا يعتمد على المصادفة، وإنما يمثل مشروعًا رياضيًا يمتلك شخصية واضحة وهوية مستقرة.
أمام منتخب الأرجنتين بطل العالم السابق وفيه فتاهم المدلل، لم يكن هناك شعور بالخوف أو الانكماش، بل ظهرت شخصية فريق يدرك قيمة قميصه، ويعرف أن احترام الخصم لا يعني التنازل عن الطموح؛ ولذلك خرجت ردود الأفعال العالمية متحدثة عن منتخب عرف كيف يجعل أحد أكبر عمالقة الكرة يبذل أقصى ما لديه، وكيف قدّم مباراة ستظل حاضرة في ذاكرة البطولة بوصفها نموذجًا للصمود والثقة والندية، ولم يكن لافتًا أن تتسع دوائر الإشادة خارج الحدود المصرية؛ ففي الشارع العربي بدا الفخر حاضرًا باعتبار أن الأداء المصري أعاد التأكيد على قدرة الكرة العربية على منافسة الكبار عندما تتوافر الرؤية والعمل والانضباط. أما في القارة الإفريقية، فقد رأت جماهير كثيرة في المنتخب المصري امتدادًا للمكانة التاريخية لكرة القدم الإفريقية، ودليلًا على أن أبناء القارة قادرون على فرض حضورهم في أكبر المسابقات العالمية متى امتلكوا المشروع والإيمان. وحتى في الأوساط الأوروبية واللاتينية، انصبت التحليلات على شخصية المنتخب، وعلى قدرته على مجاراة مدارس كروية عريقة دون أن يفقد هويته أو يتخلى عن أسلوبه.
هنا تتجاوز الحكاية حدود المستطيل الأخضر لتصبح حديثًا عن الروح المصرية ذاتها. فالفريق لم يكن مجرد أحد عشر لاعبًا يتحركون في الملعب، بل كان صورة مكثفة لخصال عرف بها المصريون عبر تاريخهم الطويل، الصبر أمام الشدائد، والهدوء في مواجهة الضغوط، والإصرار على مواصلة الطريق حتى اللحظة الأخيرة، والإيمان بأن العمل الجماعي يسبق دائمًا البطولة الفردية؛ لذلك لم تتعلق أنظار العالم بلاعب واحد، وإنما تعلقت بمنظومة كاملة بدت وكأنها تعزف لحنًا واحدًا، يعرف فيه كل فرد دوره، ويؤديه بإخلاص كامل.
ولعل هذا هو السر الحقيقي وراء الحفاوة الشعبية غير المسبوقة التي استقبل بها المصريون منتخبهم؛ فالجماهير لم تكن تستقبل نتائج، بل كانت تستقبل نموذجًا، فقد كانت ترى في هؤلاء اللاعبين أبناءً نجحوا في تقديم صورة مشرقة عن وطنهم، واحترموا علم بلادهم، وأثبتوا أن تمثيل مصر مسئولية قبل أن يكون شرفًا.
ولهذا خرجت الحشود بعفوية صادقة، رافعة الأعلام، مرددة الهتافات، وكأنها تقول إن الإنجاز الحقيقي يبدأ عندما يشعر الشعب أن أبناءه كانوا على قدر اسمه وتاريخه.
إن مثل هذه اللحظات تؤكد أن العلاقة بين الشعب ومنتخبه ليست علاقة متفرج بفريق، وإنما علاقة وطن بصورة من صوره. فعندما ينجح المنتخب في تجسيد القيم التي يؤمن بها المجتمع، يتحول إلى مساحة جامعة تذوب فيها الفوارق، ويلتقي الجميع حول علم واحد وحلم واحد. وهكذا تصبح كرة القدم مناسبة لإحياء المعنى الأعمق للانتماء، حيث يشعر كل مواطن أن جزءًا منه كان حاضرًا في كل تمريرة، وفي كل دفاع، وفي كل لحظة صمود. ولم يكن العالم، بدوره، بعيدًا عن هذه الرسائل. فقد لفتت مصر الأنظار، ليس لأنها قدمت فريقًا قويًا فحسب؛ وإنما لأنها قدمت نموذجًا للدولة التي تستثمر في الإنسان، وتدرك أن الرياضة إحدى أدوات القوة الناعمة وصناعة الصورة الدولية.
فمن خلال الأداء الراقي والانضباط الأخلاقي والاحترام الكامل للمنافسين، استطاع المنتخب أن يضيف إلى رصيد مصر المعنوي صفحات جديدة، تؤكد أن الأمم تُعرَف أحيانًا بما يقدمه رياضيوها بالقدر نفسه الذي تُعرَف به منجزاتها في المجالات الأخرى.
ومن هنا، فإن ما تحقق في هذه البطولة لا ينبغي النظر إليه باعتباره محطة انتهت بانتهاء المنافسات، بل بوصفه بداية مرحلة جديدة؛ فالفريق الذي نجح في انتزاع احترام العالم، وأقنع الجميع بأنه يمتلك شخصية البطل، أصبح مطالبًا بالحفاظ على هذا المستوى والبناء عليه. والثقة التي منحها الجمهور للاعبين والجهاز الفني تمثل رأسمالًا معنويًا هائلًا، إذا ما أُحسن استثماره، فإنه قد يفتح الباب أمام سنوات من الإنجازات التي تضع الكرة المصرية في المكانة التي تستحقها.
إن الأمم العظيمة لا تُبنى بالإنجازات المنعزلة، وإنما بتراكم النجاحات وتحويلها إلى ثقافة راسخة. وهذا ما يبدو أن التجربة المصرية في كل مجال تستلهمه، وقد استطاعت مصر أن ترسخ ثقافة تؤمن بأن الحلم مشروع، وأن الاجتهاد سبيله، وأن احترام العالم لا يُطلب بالكلمات، وإنما يُنتزع بالأداء والالتزام والروح. ولذلك لم يكن الاستقبال الشعبي مجرد نهاية جميلة لرحلة كروية، بل كان إعلانًا جماعيًا عن بداية ثقة جديدة، وثقة الشعوب، إذا اقترنت بالعمل، تتحول دائمًا إلى مستقبل أكثر إشراقًا.
وبين فرحة الجماهير التي ملأت الشوارع، ونظرات التقدير التي جاءت من مختلف أنحاء العالم، وقفت مصر لتؤكد مرة أخرى أن أبناءها، كلما أخلصوا لوطنهم، استطاعوا أن يجعلوا اسمه حاضرًا في القلوب قبل العناوين، وأن يثبتوا أن المجد الحقيقي يبدأ حين يصبح الأداء عنوانًا للهوية، والهوية عنوانًا للأمة.